مرثية صديق مرّ بسرعة فلم نكمل حديثا بدأناه

كتبها نور الدين العلوي ، في 7 أغسطس 2008 الساعة: 12:37 م

نبت الأرض الشرود

(رسالة في وداع صديق)

 

 نور الدين العلوي

 

(أهداني المرحوم الناصر بالطيب نسخة من روايته الشاردة عشية الأحد الحادي عشر من مارس فقرأتها في ليلتها وتواعدنا على لقاء للحديث صباح الثلاثاء، لكنه انشغل بما أجل الموعد حتى جاءني نعيه صباح الخميس، الخامس عشر من مارس2007).

 

يا مرساة الأرض التي لا تميد

يا بوصلة الشرق التي لا تحيد

يا غرس الأرض الشديد.

يا صديقي البعيد

اذهب فقد تركت في الأرض أثرا لا يبيد.

ولكني…من مرارة في حلقي.

 

لن أقف على قبرك في السفر الأخير، فقد شردت  بلا داع  وكنا نعد لقهوة مرة وشاي طري وضحكات طفلة.ولم تكن نهاية الطريق في الطريق. لكنك شردت. فكيف لا يسوؤني منك  مثل هذا الهروب وقد  أفسد فرحتي بما سرني منك من خبر الشاردة وقد أناخت بورق أبيض بعد طول ترحال. فهل  كلفت نفسك أن تركض بي خيلا جموحا من الفرح والألم والأسى. 

 

قلت ليلة الخبر الأول وقد سهرت مع الشاردة،  قلم أصيل يسقي بقلم من ندى روحه شجر القول في بلاد تحلم بالسحب. لكن الخبر الثاني قلع من منابت الروح الشجر الذي غرسناه معا وسقيناه بالأمل  و الإيمان بالوطن والناس الذين لا يرضون من القول إلا ما سما. هكذا قررت وحدك دون الرجوع إلى الأصدقاء. كان لنا موعد للاحتفاء بالخبر الأول، وكنا سنتحاسب عن أخطاء الطباعة وبعض الجمل القصيرة التي كان يمكن أن، وكنا سنختلف ونتفق على أن قولك كان صوابا وأنه كان يمكن أن.  ولكنك شردت إلى منبتك البعيد  كأنما  عطشت إلى منبع وكأن ماء الشمال أجاج.  كان  لك عندي ماء كثير و قول يبث الروح في يابس الشجر وكان لنا موعد من محبة وفرح قلت لك الشاردة عادت إلى برها  الغالي قلت لي وكيف لها  أن تغيب أكثر كأنما كانت على  موعد مع موعدك. عدتما معا وأفسدت علي الفرحتين: لقاءك والشاردة بين يديك نصا كاملا كما أردته وصورته لنا  في مجالس الشاي التي سبقته.

لم تأت لنتحدث. كان مكاني المستعار يشعرك بالانقلاع من منبتك وكنت تقرعني كيف قبلت البعد عن منبت خشبك الأسمر. وكنت أتحجج بالقرب من الماء  لكي أخرج من  وضع «الهطاي» الأبدي لكنك كنت تقول لقد انبت عودك فكيف تعود؟. وكنت انظر الي الأفق لكي لا تلتقي الأعين الأربعة وكنت ترحمني بالحديث الجانبي والشاي الخفيف.

ووجدت في الشاردة عودتي. أحدهم عاد. سيظل الوطن عامرا فليس مثل عودة الابنة الشاردة. لكنها أخذتك معها كأنما كلفتها أن تعود بك. من كان منكما الشارد ليحمل صاحبه إلى المقر الأخير؟

 

أيها الشارد لن أقبل فيك العزاء فقد غدرتني بالذهاب.وكان لك عندي ماء كثير. وقول غزير دافق  كورد بلا مزهرية.

 

كان في قولي لك ما كنت ترى من خيل تركض في الأفق الممتد بين عينين عربيتين موطنك هناك وأرض خطها الريح أو المحراث العنيد الذي لا يهاجر. ذلك الحاجب وتلك العين التي تمسح  الأفق . امرأة من الوطن  امرأة هي الوطن. إني  متفق معك  إلى حد الصمت إذا نطقت. نحن واحد بلسانين ولنا إخوة يقاسموننا القول ولا يساهمون في الثرثرة إذا قال أحدنا صادق الآخرون واقتصدنا من الورق فالورق مق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فصول من رواياتي المنشورة والمخطوطة

كتبها نور الدين العلوي ، في 15 فبراير 2006 الساعة: 01:32 ص

 
 هذه المقدمات الأولى أو المدخل لروايـــة  "المستلبس " للروائي التونسي نـور الديـن العلـوي الصادرة عن دار الجنوب للنشر بتونس سنة 2005 بعنوان فرعي هو { اللهم الطف بنا فيما جرت بـه التقــارير} .
فاتحة الحديث عن أحمد العروس.
انتــهى أحمد العروس من زمن الناس… وما انتهى زمن الناس في أحمد العروس…
فالطين مختلف وأحمد أطول…
أحمد أمل أقوى من لحظة إشراقه في غيب حزين… ورؤيا لم تحتج إغماض عين لتكون… إنه هنا والآن ويمكث في الأرض.. فاجعل لك إلى أحمد العروس سبيلا…
يقول لك أحمد في التحايا "اعبر جسورا نحو نفسك بناها الآخرون لتعبر من نفسك إلى مرض نفوسهم بالسؤال عن فراغات في نفوس الآخرين".
ويفزعك أحمد لو سرت إليه… فأحمد ليس محايدا إزاء هموم الآخرين… ويرى أبعد من أنفه لذلك يرى كثيرا ويحجم عن الإفصاح وينتظر عيونا شاهدة.
وقد يردك أحمد إلى بعض نفسك فإذا اشتبه عليك والتبس ، يقول لك أحمد "إن أحمد على غرابة شكله يقاس عليه ولا يحفظ فهو ليس خطأ شائعا ولا قاعدة مهجورة وهو ليس قاعدة لكلام الآخرين الهارب من صدقه بسلاسة المعنى إلى التيه في أساطير الأولين يعمي ليثبت عجز الناظرين ويتقول "الناس حمقى فلا تعلمهم المعنى أنهم دون يرون ظاهرة اللفظ فيكتفون". ثم يلخص "أحمد العروس ليس إنجيلا ولم يصحف، ولقد صيغ لمرة واحدة فمن استطاع إلى أحمد العروس سبيلا فقد وفر لنفسه بعض زاد لبعض الطريق". فإذا عزمت وأوشكت على أحمد… فاعلم إنه في بدء التكوين كان… ثم كان أحمد وليس نبيا… ولا معجزة وأمه ليست عذراء !
سيسألونك… عن أحمد…فاللفظ مبهم والسياق مداور ، ” قل لا تأتي به الريح ولا ينبت معلقا كالثوم والبصل“. ويسألونك عجزا ، قل ”إنه أحمد العروس المنغرس سكينا في كبد المنكرين وجوده يقولون له "من فسق في أمك يا زنيم ؟"ويسألونك عن أحمد العروس "مسكين ؟" قل ”مرهق… ويختزن ضده … فيقوم. فلا يقتل ولا يصلب ولكن تحضنه الأرض فيشبه لقاتليه فيفرحون ! فيما بذوره تنتظر صهد المعارك الحاسمات… لتنتشر.ويسألونك دائما … قل ”لقد نجا… ثم صار إلى ما هو عليه راهنا !“
ويسألونك وهنا،  فلا تبخل عليهم بالخبر ولا تبخل عليهم بالشرر وأوقد لهم من أحمد… فعلى النار الهدى… يرون أحمد اليومي ويقرؤون اللوح ويعرفون كيف السبيل إلى الخروج .
ويسألونك رغم ذلك عن أحمد العروس… قل ”تشتد عليه الشمس فينمو صاعدا ويبز نخيل السواد إذا سمق… فإذا انزاحت جبال الصبر فيه يذوب نورا في الشفق… ثم يخرج من أخاديد الأرض العطشى ويتعملق في البساط الأبلق ولا يضمحل إذا انبثق ! فإذا ظلم قلبه يسير بالتوازي مع نفسه فلا يلتقيا لكنه ينطرح شوكا في المسالك ويصير نشيجا في الفرح.
ثم إذا سألوك بعد هذا عن أحمد، فلخص…” ينبت في أرضكم في سنين القحط وينمو بالجفاف وتحصده النذالة والعسس…“
فإذا ألحفوا كما عن البقرة الصفراء… فقل ” لا أدري فهو أسلم… وانس سؤال الآخرين عن الحقيقة وانس حقيقة الآخرين في السؤال وأسأل هل يؤدي السؤال إلى الحقيقة ثم اسأل هل لا بد للحقيقة من سؤال ؟ ثم تعمد أن تتيه في السؤال السرمدي… ما الحقيقة ؟ وانس أحمد العروس فهو ترابي الوجود واذهب في الفلسفة وتيقن إنها أسلم من حقيقة أحمد وليس لها تأثيرات جانبية ولا يخشى منها على الخصوبة والرضاع… فإذا كان لا بد وأنت على الصراط الأعوج… فقل… لقد نجا من الانتخاب الطبيعي، وليس الأصلح ولعله الأشقى فهو الأبقى، فاقتله تغنم صمته. ثم أذره في الرياح الأربع قبل اجتماع رماده في الغيب وعودته كالنهار“.
ذلك أحمد العروس… من لا عين رأت ولا أذن سمعت إنما خطر على قلب بشر ! فإذا نجا ثانية فلن يقنع بالانتخاب.
 
 
 
حديث آخر عن أحمد العروس.
ثبت أنه لأحمد أطلال ببرقة ثهمد لكنه لا يعود للبكاء عليها ويحدث له أن يقرأ كتاب العربان ويضحك، فأحمد حي ويلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ، وقد يموت ولا يبكي عليه أحد ،فلم يكن فتى ولم يعربد إلا في حدود ضيقة .لكنه رفض يوما أن يفرد كالبعير رغم أن أيامه كانت قطرانا مجمدا، ثم إن ذلك لم يزده إلا حبا في أهله ليقول "ليتني كنت طللا قديما فأحظى بالقصائد وأدخل في الاركيولوجيا فأنعم بالسياحة ولا بأس أن لا يبكي علي أحد".
وفي اشتداد وجد أحمد العروس يزور أمه في المصح العقلي، وقبل الوصول إليها في النسيان يقول، "هذه آخر مرة" ثم ينسى ويشتاق فيعود… فيجد أمه تحت نخلة لا تطرح تمرا وليس لديها رضيع يتكلم، وتفرش علبة كرطون وتجلس على حافتها وتنظر إلى كتابة في الحافة الأخرى ولا تكلم أحدا ويقرأ أحمد المكتوب حيث تنظر أمه "قابل للكسر". ويجلس أمام أمه دهرا فلا تراه ثم يهم أن يقوم فتمسك ركبتيه وتبتسم فيوشك أحمد أن يبكي ولكنه يتهيب ذلك فتكف أمه عن الابتسام وتقول له ”كيف حال أمك ؟ أما مازالت تأكل عند جيرانها ويأتيها جيرانها ويأكلون عندها ؟ أمازلت تسرق الخضر من السوق لولدها أحمد ويضربها الباعة بالطماطم الفاسدة ويعطونها الغلة ويلحقون بها إلى البيت ؟“
ويتذكر أحمد التفاصيل الصغيرة ويحمل محفظته ويذهب إلى المدرسة وعندما يصل إلى الامتحان الكبير ومرض أمه تشد أمه على ركبتيه فيعود إليها لحظة فتقول له "بلغ سلامي إلى أمك وقل لها أن تضع الحناء على شعرها. سيدب في الحي القمل ويعقبه الجراد ولا ينجو إلا من غطى رأسه وقل للرجال-إن تبقى - أن يبولوا بأكفهم منحنين لينجوا من الرعد الكبير الذي يحصد الرؤوس المشرئبة…"
في أثناء ذلك يكون أحمد قد مر على عمره كله ونزل في آخر المطاف حيث أمه في المصح العقلي فتقول له أمه من شرودها ”قل  لأمك أن لا تخرج في الليل… فولدها لا يزال صغيرا وقد يرعبه الليل… والأمن أحسن من التجوال في الظلمة“  فيؤمن أحمد "نعم يا أمي من خاف سلم". ويدير أحمد بصره في المصح العقلي. من كل الحضور الذين يمرون في الجنون تظهر ملابس أمه نظيفة وشعرها الذي كان آية ملفوفا بعناية وتجلس على مكان نظيف لكنها لا تزال ترى أحمد حيث تركته طفلا أعزل قبل أن تخرج من عقل الآخرين و تدخل في الجنون ويراها توصيه خيرا بنفسها حيث تركت نفسها قبل الدخول فيمازحها أحمد مشفقا ”كيف حالك يا حاجة“  ولكن أحمد يرى كلاما كثيرا على شفتيها فلا ينظر في اتجاه عينيها ويدس رأسه بين ركبتيه ويصمت دهرا… يعرف أنها ستقول له جملتها الشديدة "هل عثرت على أبيك ؟" ويعرف أن إجابته لن ترضيها فيقوم عائدا إلى ما لا يقصد ولا يريد وقد قرر أن لا يزور أمه أبدا حيث هي في المصح العقلي.
ويفيق أحمد العروس العائد من المصح على أحمد العروس المنثور في الساحات العامة القليلة أصلا يمشي بهدوء ويدخل في الليل ويقول ”أحمد العروس يعرف كل الفضائح و الصغارات وليس إلها ولا في القوات الخاصة ولا في الاستشعار“. ثم أمام واجهة محل نظيفة يرى أن الدهر مر على أحمد الواقف خارج البلور مرور اللئام فخلف على نفسه آثارا… ومر اليسار مرورا وخلف في أحمد رؤية ظل العالم في الماء العميق… ومر اليمين وخلف خوف انكشاف النوايا السيئة… فصار أحمد متعدد الأوجه كثير الاستغفار ويدور حول نفسه ويكلم ظله ويعتقد أنه الأصلح وأن الآخرين يعرفون و ينكرون ثم يعتقد أنه الأسوأ وأن الآخرين دفعوه دفعا… ثم يجد نفسه قبيحا جدا و يزيده قبحا بحثه عن الجمال السرمدي.. كلما أمعن بحثا أمعن اشمئزازا.
فيقرر البحث عن رجل بعينه… رجل أشم. سيقول الماكرون "أن أحمد… فلا يبحث عن رجل إلا المصاب بسدوم ولكن أحمد لا يرد عليهم، فالجهل مصيبة. ويواصل البحث عن رجل بأنفه ويخفف عن نفسه فيقول "لماذا رجل بعينه وما الذي يجعل للعين ميزة عن الأنف حتى يقال رجل بعينه" وأحمد يعرف للعين معان فأيها تكون علامة ؟ إذن هو الأنف…
رجل بأنفه. ولم يكن يبحث إلا عن أبيه. فأمه علمته أن أباه رجل أشم لذلك كان ينظر للوجوه ويمعن في الرجال ذوي الأنوف… فيجد رجالا بأنوف ذليلة فلا يراهم… ثم يجد رجالا بلا أنوف ذليلة لكنهم لا يرفعون وجوههم فلا يراهم… ثم يجد رجالا بأنوف عزيزة لكنهم لا يرون أحمد فلا يراهم… ثم يجد… أن مطلبه عزيز فينسى البحث دهرا ثم يزور أمه… فيستأنف البحث ”إن أبي بينكم أيها الرجال !“ ويضحك ”من تراني أخاطب ؟“ ثم يقول بهمس ويلتفت على جنبيه ”إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير لكني لا أرى أحدا“ ويقول ”تباركت روحك أيها الخز اعي هذا زمانك فلماذا بكرت قليلا في المجيء وفي الذهاب ؟ وأحمد العروس لا يقرض الشعر و إلا زاد على بيتك ديوانا عن الغائبين عن أرواحهم ، الحاضرين في المطاعم والمقاهي والمآدب يتجشئون كثيرا ويقولون ”ربي أنعمت فزد“ ويقول أحمد لربه دون أن ينظر إلى السماء ”لو جاز الفناء على ملكك لانتهيت متسولا مثل أحمد العروس“ ولكنه يستغفر ويعود إلى الشاعر ويسأله هل رأيت أبي يا أبا الطيب فيقول له ”أذم إلى هذا الزمان أهيله…“فلا يبحث أحمد عن المزيد وعن أبيه في شم العرانين. ويقول ”لو كان لما هرب“ ويتوقف أحمد عن البحث. يرى حقيقة أبيه فيكف عن الكلام… من تراه يكون غير ” فدم تستغرق الكف فوديه ومنكبه وتكتسي منه ريح الجورب العرق“  ويقرر أحمد الانقطاع عن أمه في المصح العقلي. ”لا ذنب عليك يا أمي… فأحمد يعرف كل شيء ولا يرى أنك مثلما ترين فأنت أعز أنفا من أبي وأحمد لا يسوي بأنف الناقة الذنب“كنه… يضيق صدره…فيشتاق… فيقاوم… فيحلم… فيرى أمه تقف على مئذنة المسجد وتغني. ”لم يكن أحمد واحدا منكم ولكنه يعرفكم واحدا، واحدا ويفكككم قطعة، قطعة ويقدر ثمنكم جيدا ولا يبيعكم لأحد فأحمد لا يتاجر في الحديد الصدئ ولكنه لا يفرش لكم عباءته للصلاة عليها ، فأحمد أعف من صلاتكم لذلك أوصيته بغسل يديه سبع مرات إذا صافح ، أحمد يا كبدي، يا أعزل… وتخوض حروبا كثيرة ولا تخرج منتصرا أبدا“. ثم تصمت. فيستيقظ أحمد وفي حلقه لقمة من الصوف المر فيذهب، فتصر أمه ”ابحث عن أبوك“  فيصحح لها أحمد ”قولي عن أبيك“ فتلح أمه ”لم يجره أحد ولا يكون إلا الفاعل وهو الذي ابتدأ فأوهمني فأسلمت له الأمر يقلبه على كل وجوهه… ثم أفقت فإذا هو قد عبر المحيط وأنت في فراشي “.
”إذا هو نذل يا أمي.“ فتقول له أمه ”لا تصدق يا أحمد يا ضناي ولا تحرم أمك من كذبتها الأخيرة ودع لي سلام الاطمئنان إلى الخديعة فأنت تدخل في الرجال بأب أشم يخفي أمك في آخر الصورة فلا تضار. أما بأب نذل وأم أكلت بلحمها خبزا ، فلا مكان لك فوق الأرض، ولن يدفنك أحد لتحتضنك الأرض بعدي“. وعندها يتمثل أحمد كل المشهد المجنون ويمرر يده على شعر أمه الأخضر ويود أن يضمها إلى صدره لكنها تكون جامدة تحت النخلة العاقر وتكون دمعة أحمد قريبة جدا فينهض، فيذهب، فتجف عينه من البكاء الداخلي.
فإذا عاد إلى نفسه بعد لأي… في ساحة منسية… وجد نفسه في دائرة مليئة بالفراغ ويعتقد أنه يتقدم. يضرب الأرض بقدميه فيشب إلى الأعلى.. فيتنفس قليلا لكنه يعود إلى القاع فيضيق صدره لكنه يواصل الاعتقاد أنه خارج المستنقع وأن الآخرين يغرقون…
وتخاطبه العناصر كلها ” يا أحمد الأحمد… ألا ترى أنك وحدك في الخضم وأن الآخرين يسبحون كالضفادع وقد ينقون ؟ تشبث يا أحمد بما بين يديك لتنجو…“ لكن أحمد يعود للغفلة عامدا لكي لا يرى كل شيء…و في تشابه الصباحات يضحك أحمد في سره… ويمضي… فكثيرون ممن رأوا أحمد في الصباح… صلوا أن تكون نهاية اليوم أجمل من صباحه وأحمد لم يتدخل فمر يومه كما تيسر . لكن الكثير منهم وقع في مآزق في أيام لم يروا فيها أحمد، وتذكروا أنهم رأوا زوجاتهم في الصباح وأخريات رأين مثلما رأوا. ويعرف أحمد طائرهم فيترك لحيته نابتة كعسل في صحن حط عليه ذباب، ويقول ”لله جنود من عسل“ أو يقول ”على نفسها جنت“ وينسى أن يحلق لحيته دائما فهي آية تذكر الناس بالصلاة.
 
آخر حديث عن أحمد … ثم أحمد.
أحمد العروس متواضع الإمكانات لذلك لا يطاوعه الشعر ويقول إذا اغتر ”أنا اشعر من المتنبي“ لكنه انتهى بعشق المتنبي في الديوان وكرهه في المسلسل وقد أفاق بعد لأي فوجد أن المتنبي أيضا قد بصم على جلده بملقط من حديد فصار يلتقط الشعراء في الجرائد المهملة واكتشف أن الشعر كلام فوق الزمن. لذلك لما عثر على عبد الإله الصالحي§  صوره بعناية وعلقه في جدار وصار يقول له كل صباح بعد أن يؤدي له تحية عسكرية. اتفق معك لكني لست في البعض ولا فيالأغلبية فأنا أحمد العروس. ثم يقرأ :
 بعضهم يجد أعضاءهمبتورة وتكاد تبتسم.
بعضهم يقلد المستقبل.
 بعضهم يقنع صندوق القمامة
بأنه أشد استدارة من الحقيقة (…)
 بعضهم يغرق بكل بساطةفي فرصة معوقة
بعضهم يسرق أدوات الجزم.
 بعضهم يتفقد أنسابه
بعضهم يتدرب على الإطاحة بالعالم.
بعضهم يفترش السطور وينحني قليلا ليسعل.
بعضهم جزيرة
بعضهم لعاب قيد الدرس
بعضهم ينتظر الانقراض
بعضهم قد يتألم
بعضهم يتأوه كمن يعاكس القيامة.
بعضهم يعوض الجنس بقيء الشعراء.
بعضهم يلهو بالعناوين في انتظار الباص أو الجنة
بعضهم يحب
بعضهم يفهم
بعضهم يتعذب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فتاة تجددني

كتبها نور الدين العلوي ، في 7 أغسطس 2008 الساعة: 13:00 م

noura2121811yaaaa

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حبة الكرز الاخيرة …

كتبها نور الدين العلوي ، في 7 أغسطس 2008 الساعة: 00:49 ص

حبة الكرز الأخيرة

 

 كانت الحبة الأخيرة على صحن البلور القديم . كان الصحن نظيفا وسليما به خدوش بينة من  كثرة التنظيف. مرت حبات الكرز واحدة اثر أخرى كان لبعضها طعم لذيذ لا ينسى  وكان لبعضها طعم كلا طعم . لكنها مرت وبقي الصحن نظيفا بخدوش بسيطة لا ترى من بعيد. كانت حبة الكرز  الأخيرة قد وصلت متأخرة. وكانت في الصحن وحدها أو تكاد.

 من وضعها هناك؟ يبدو  هذا السؤال غير ذي فائدة إنها هناك بكل وضوح حبة كرز وحيدة في صحن نظيف و به بعض الخدوش التي لا ترى من بعيد. 

كان الرجل العجوز يرى حبة الكرز الأخيرة ويتمنى أن يمسك منها بعضها  أو كلها ويقربها من مكان عزيز عليه كان يقول أن حب الملوك يفيد القلوب المتعبة وكان قلبه يخفق خفقانا غير منتظم قالت له عجوز كبيرة عندما كان صغيرا  يا ولدي عليك بحب الملوك ففيه للقلوب دواء  لا يصفه أطباء المدارس. مر زمن طويل على تلك النصيحة ونسيها الرجل الذي صار قديما. لم يتجعد كحبة زبيب جافة ولكن تقادم به الوقت فصار قديما. وكانت حبة الكرز شابة لا تضاهي في البريق الأحمر  الشفاف.  كان احمر الشفاه على شفتها اقل حمرة من حبة الكرز اللامعة تحت ضوء النافدة الوحيدة المفتوحة في مطبخ الأيام. لكن الرجل العجوز لم يكن يحب احمر الشفاه فقد كان يميل إلى تقبيل طرف الفم حيث لا يريد أن يحس لزوجة احمر الشفاه.كان يفضل لون الكرز على أي حمرة أخرى بما في ذلك نبيذ بوردو الشهير. لكنه كان كبر ودب اليأس في خشب  بنائه العتيق  وكان يسمع في ليل وحدته سوسا ينخر في بعض الفروع فيقوم في الفجر القريب من الصبح  يلتمس مضادات الالتهاب.

 اقترب من الحبة  و لمس طرفها القصي كانت  حبة بلا أطراف قصية  كانت حبة كرز صغيرة ولها انف صغير و عينان كبيرتان وابتسامة  كبعض ساعة من فجر صيفي  معافى على جبل  يمر السحاب من حوله فينظفه فلا تشوبه شائبة من خريف.

 قال لها  كم أود أن أكون قريبا لأراك. وجذب نفسا عميقا فتوهجت.

 واستسلم مغمض العينين يداعب حبة الكرز الأخيرة في غرفة تنغلق بهدوء ويتحرك بابها من تلقاء نفسه أو بهبة من نسيم.

 

كان يجالسها لأول مرة تحت شجرة وارفة والقهوة تضوع. هلا سرت معي خطوتين؟ إلى قمة الجبل القريب . قالت كالساهمة  كأن القرار لا يعنيها نذهب ثم تساءلت كأنها لا تكلمه  لم لا نذهب ؟ أحس نصف إجابة نصف استجابة وقال  حبة كرز با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اتوهم الاختلاف فانظر حيث لا ارى فلا أرى الا اوهامي

كتبها نور الدين العلوي ، في 26 يونيو 2008 الساعة: 18:33 م

anoure

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نصوص تنضج على نار باردة

كتبها نور الدين العلوي ، في 18 ديسمبر 2006 الساعة: 15:14 م

«ما أكثر النّساء وما أقلّ الحبّ …»

 

  مقطع من رواية  لم تكتمل بعد للروائي التونسي

 نور الدين العلوي

 عنوانها المؤقت

 الرهينة رقم 4232.5

 

أجلس وحدي بلا امرأة أرتب أفكاري أضع عليها علامات  أضع العلامات في ملفات وأضع الملفات في  علب جديدة، وأختم عليها ثم أضعها على رفوف أو أشحنها في أقراص وأضع الأقراص في علب أصغر وأحفظها من الغبار  ثم أنظر بقية الأفكار…كل الفوضى وكل الاضطراب

هل عرفنا النساء؟  هل حرّرنا النساء؟ هل تحرّرنا من النساء؟ هل تتحرّر النساء؟ من يستعبد الآخر؟

وأضل أدور في أسئلتي …أين المرأة؟ أين جسدها؟أين أنفاسها؟ أين حديثها؟ أين رائحة إبطيها العطرين بالطبيعة الفوارة ؟ أين شعرها المنساب فوق وجهي ويديها خلف عنقي ورأسي على كتفها؟ أين أضع هذه الفكرة وكل علب الأفكار مليئة  بصور النساء أمام المحال التجارية …

…اطرح  ما شئت من الأسئلة …فلا مخرج إلا بالحقيقة وهل من حقيقة في النساء يستقر لنا فيها المقام …؟

ألسنا نخوض في حديث النساء أحيانا كثيرة … أ لسنا لا نصل إلا إلى   ما صنعنا من الصور … فلماذا ندخل الحديث عنهن بأحجار في أيدينا  ثم نستطيب الانحناء …

ثمة امرأة  ليست من النساء  ولم تلتقها إلا  في الحديث العابر… فأعلن يأسك منها  قبل الحديث .فقد تكون قد قلت مثلي لامرأة مرت قريبا « نام المغرمون باللحم الحلال فهيا .. رأسي بين نهديك يذوب فاحلبيني أسيل عسلا من حلمتيك الوردتين…»  فنامت. وبقيت وحدي (ك)  نحسب  النجوم فلا نراها… فقد  كانت تنتظر زوجا نافقا …

توقف عن فضح العجز الذي تجد … فالحديث بلاء  والنساء بلاء مقيم في الضلوع …وفي الحديث…

قل في مفتتح الحديث  ما أكثر النساء وما أقل الحب  معظلة المحبين القدامى تستعاد في كل العصور لحم كثير… أما الحب فانتظر خطأ الأيام  ستسمح به ولو بعد حين لتستخرج من اللحم الكثيف نواة امرأة جميلة. 

سلّم مثلي للمجلة التي أسقطت آية وأخذت مكان الكتاب. لقد أسقطت رؤوسا ورفعت أخرى وأقامت أحزابا وحلت أخرى  و صمدت وحدها  وارتقت فوق القوانين جميعها. يعلقها السادة نيشانا عندما يستبدلون أموال النفط بالقروض  الأجنبية ثم يضعونها على الرفوف إذا اعتمروا، ويشهرونها على طائرة الخطوط الفرنسية ويصلحون بها الحديث في زمان كوندليسا .

 ليس في النساء قول فصل ولكن … هذه رؤية اللحظة وقد نكبر فنعقل فنغيرها بعد أن يكبر الأولاد  ويعرفون نساء أخريات ثم يقرؤون ترهات الآباء الذين يزعمون القول في النساء في عصر المجلة .

 

مشينا طويلا …نمشي بعد …  وراء امرأة لا نعرفها نتوهمها نعطيها الوقت الذي تريد لتعرب عن نفسها فتهرب إلى غموض فاضح تخفي أفكارا بسيطة حول الحياة نتبعها  نزولا إلى تفاهات كل يوم نقف خلفها أمام واجهات المحال  تقيس الملابس الجديدة وتحكم على الألوان وتربط بين الألوان والمقاسات  ونصبر حتى تقيس ثم نقف أمام محال جديدة  وننتظر تلك هي…  واحدة تعرب عن جمع ولا اختلاف إلا في المقاسات .

نصل نهاية الوهم بالاختلاف ولا نعود إلى الحقيقة حيث نحن بامرأة واحدة  وبدون نساء… كنا  فحولا نتناطح. تدخل امرأة حيث نحن يهدأ الصراع قليلا نتحول إلى  تيوس مهذبين نمشط لحانا بأطراف أصابعنا وننتظر أن ترضى عن بعضنا أو عن جميعنا أو أن تغضب قليلا  وتظل بيننا نراها ونستأنس إذا لم تأت نجيء بها  لنختصم حولها  نتناطح كالكباش  أحدنا فقط يفوز بها قوة القرن أو قوة العين…  يعود البقية خائبين إلى البحث عن امرأة أخرى نساء أخر؟ لما لا يمكن الاستمرار بدونها… هي ضعفنا وقوتنا فمن لنا بها كي نضع أنوفنا في وحل مداسها الجميل ؟ 

وكم  قمنا…وقد نقوم بعد بعملية عسكرية نتدرب على العيش بدون نساء نصاب بالإحباط تختلط الاتجاهات  فنذهب إلى البحر في الشتاء ونعتقد أن الموج يحمل الرسائل  ولكنه ينكسرعلى الشط ويذهب مليئا بالاحتقار، نذهب إلى الواحة تحت النخيل الوارف أو تحت الزيتون الصامد للعناصر ،نمسك الجذوع ونعتصر الدموع ثم نكتب على الجذوع الخشبية أسماءنا وأسماء أخرى ونجعلها ملغزة لا يفهمها إلا الذي نريد فلا يقرأها إلا العابرون فلا يصل البريد ، نعاود العملية العسكرية  نفسها ولا نصل إلا إلى معنى وحيد نحن بلا نساء إذن نحن بلا معنى هل هذا هو «الكوجيتو ؟» إنه المعنى الذي تعطيه النساء للحياة …

الآن أزف السؤال الأخير… هل نعرف الحب مرة واحدة وأخيرة ونرتاح … حالة التبعية التي تجعل الرجل يقدم نفسه لامرأة تفعل به ما تشاء  تركبه أو تضع عليه برذعة أو تركعه أو تصلي له  لا فرق إذ يكونان متفقين على تبادل العطاء… تبادل المعنى.

 متى تصادفنا هذه الحالة العجيبة ؟ نتعزى بأن كل العمر مفتوح على مثل هذا الاحتمال شرط أن لا نغطس في الواجب اليومي فننسى وننغلق على الاحتمال المتاح سعداء بالأبوة والمصاريف حيث لا يكون الحب وتكون الألفة  الممزوجة بالاحترام …

يكون الآن من الأمر ما يكون،  وننخرط في السيستم  تلك هي النهاية المرتقبة لن تأتي سيكون حراما أن نكسر الباب ونهرب إليها ونحن في زنزانة الألفة الجميلة …

*****

وحين يطول عليّ الليل في كهف وحدتي المبتغاة  أقول …علي اختراع لفظ خاص من داخل الألفة الجميلة يستعيض عن الحب بالفحولة  ثم بعد حين يعبر عن تحول الرجل إلى تيس عجوز له من الذكورة خصيتان كبيرتان وبقايا صنان لا يلين وحنين جارف إلى زمن الجديان الصغار… ليس في اللغة هذا الاحتمال ولو بالعودة إلى اللسان العربي فلا تيس إلا بالنبيب أما إذا كفّ الفحول عن الفحولة فالمسالخ والكلاب …سيقول التيس وقد صار حطاما «رطليهم يا خدوجة »  فقد ذهب زمان الوصل بالأندلس وببعض البلاد العربية فنحن ننسى  يا أم البنين  أن الفحولة لا تكون في زمان كوندليسا …  وسيتعزّى التيس العجوز «هل بالذكورة وحدها نبني البلاد ونقنع القوم بأنا حاضرون على الخريطة؟»  الحمد الله الذي جعل خصيّ الخصيان أخفّ وزنا .. في أكفّنا …  لكنّا رغم ذلك نفيق على أكتافنا منهدّة  وشواربنا مرخّية  ونساؤنا يبكين الرجال … أيها الوقت الذي يترك مروره على الكتفين أعفيني قليلا لعل الحبّ أن يأتي قليلا …  إني استسقي الحب ولي شجاعة من لم يركب جموح الخيل بعد … ويتوهم أن الخصاء فردي في زمان كوندليسا ليقتدر على الألفة والمصاريف …

 يا صاحبي  يا حامل الأسرار الأرضية … لا فحولة إلا بالأرطال من الخصي… والوقت لم يعد يكفينا للصراخ .. . غدا نشارك في الدوام … ليستمر السيستم . بلا فحولة  و لا حب … واجهات جميلة وملابس بمقاسات مختلفة ونساء يقفن سعيدات ورجال يحرّرن صكوك الصرف … ولا تعلّمني التصريف .

ثم تعض باطن كفك من جديد…

… تلك الشهوة المتولدة من الحب والحب الذي تسعره الشهوة وإن لم تلب ، هي ذي  موسيقى الأيام الجميلة  أو الموسيقى الجميلة التي تجعل الأيام  أجمل مما تتوقع الأيام أو مما أرادت لك … لا معنى إلا بالأنثى المحبة  لكن أين هي   … ما أكثر النساء وما أقل الحب …

كيف يمكن أن تدخل في موضوعة النساء دون أن تعري عجزك الفاضح … تدبر معي مثلا كيف يمكن لامرأة أن  تفتت فحولة رجل ولا تخصيه، وانظر معي كيف يصير التيس رجلا فلا ينزو إلا على أنثى واحدة  ولا ينب نبيبا .  قل مثلا معزيا ولا تبك …«إن الكم غير مهم وأن النّوع عوض خير»أو قل «إن الغذاء في مطاعم الجمهورية قد تكفل بالأنسنة » ، قل ما تشاء ولكنك لن تصل إلى فهم اللحظة التي تضع تيوستك في ماء فاتر فتطمئن إلى أنثى عبرت سماء أيامك المتشابهة فتظاهرت  بالبكاء على صدرها تزعم  الشوق   وقد تمر على ديارها تبكي لتوهم نفسك بالقدرة على الحب الجميل وادعاء الخيبة المبدعة .

ولا تتذكر …

 تلك التي لقيتها يوما وقد كانت ابتسامتها كمزقة في السماء  يظهر وجه الله خلفها …متجليا

 وتلك التي لما أنزلت فستانها الأحمر  في الممر الفاصل بين الغرفتين نزلت ذكورتك  انبهارا وبقي أمامك أن تهرب أو أن  تبكي عجزا… وعدت في الليل على يدك توسعها …

وتلك التي تعرت فلم تر اختلافا بين جلدها والزرابي القديمة …

 وتلك التي … كم مرت بين يديك لست  تحسب.  لست إلا واحدا من كثيرين يزعمون في النساء علما وما أنت إلا جاهل يتعلم …

وأخرى  رأيتها لا تختلف عن أحلامك  قلت عنها … كلاما جميلا على أمل البقاء بقربها لكنها انصرفت إلى الزوج الذي قد يأتي تعد له قميصا وسروا يل جديدة وتنام في الليل تنتظر الغيوم أن تحمل إليها ذكرا يجمع القش لعش  قد يدوم . وقد تتحجب كآخر محاولة للزواج …

 تلك هي أو كأنها …  أنت أبدا في حلمك السادر لن تصل أبدا حتى تنتهي النساء  … فمجّد ما تجد عسى  تصل إلى ما تريد … سنة العجزة في بلاد العجزة المحكومة بالجواري يعرفن في التنمية المستديمة ويخطبن في المجالس ويخطئن في النحو قليلا … فكاتب الخطاب ذكر يعرف النحو فيشمت في الخطيبة  فيتعمّد ألاّ  يشكل أواخر الكلمات … اصنع وهمك لتستمر  به أما الحقيقة فقاتلة … صورها  كمنتصرة عليك … لتصنع وهم الحب ففي الحب بعض من هزيمة لذيذة للدموع …

لا تنظر إليها تقرأ قليلا وتكتب أقل قل إنها  تحسّ ويظهر في عينيها الدّمع  قل معزّيا ما ضرّ لو كانت غائبة  وقلبها يرى ؟ لكنك تفهمها فتشفق … فتتعزى بها عن مثالك  مصرا على قهر الخيبة بالوهم .

  تراها… تقبل…تتراجع… تخاف، تعبر بعينيها،  يخرج كلام كثير إلى العينين تقرأه.  لها الحق أنت لها في أحسن الأحوال  بالنصف في ظاهر القول وبالنصف لنفسك فكيف تفهمها أن جمع النصفين والأرباع الأربعة لها بالنهاية مقابل أمل بالبقاء قليلا حول فنجان من القهوة المرة  في مكان مطل على البحر …لكنك تمعن في قهر قلبك بالصورة فتجعل عينيها  جميلتين دون كحل أومسخرة مفتوحتين بفكرة أولى لم تصل ككذبة طفل يتعلم النطق الفصيح جميلتان كالتمني، كالرجاء، كاللقاء الأول تحت صفصافة ناشئة، كحلمة طفلة في العاشرة تحلم في الليل بقلبها وتخاف …فتحمر  … لم تره مستديرا قاسيا وله حدود تتضح بعد خمس  … نهد بعد اللمسة  الأولى والعبارات على الفم  هل تعضه …. ليس بعد  حتى تؤوب إلى رشدها وتعري … لن تفعل … لا تنتظر… محكومة بالكلام القديم الذي  يحفظ قبل أن ينطق وتظل تدور حول الزاوية المستديرة  ترسم خطا وتعيد توضيحه…«إني أخاف  أن أسقط،وأخاف أن أصعد، وأخاف أن أظل مكاني، وأخاف أن يفهم الآخرون أنني اشتهي أن أكون،وأخاف أن لا يفهم أحد أنني اشتهي أن أكون، وأخاف أن أفهم أني انتهيت سريعا قبل أن يستقيم لي الأمر حتى أكون. هو أنا أيها الذي يعرف كيف يزن الكلام ويخرج رابحا من حسبة الرجل القديم.   فكيف أحسبها دون علمك وكيف أجعلك في الحسبة دائما دون أن … ستجد العبارات لتقول لي دائما إنها اللغة نخفي بها ما نريد … فلا تحرج ما تبقى من حمرة خدي إنني أخجل بعد أن تفهم إنني أشتهيك  … فافعل ولا تفعل وأكذب علي حتى اللحظة الفاتحة، حتى فك المغالق التي ادخرت لك قبل أن تنبت لك  شعرة واحدة … هي أنا… لو غيرتني انكسرت صورتي الباهتة،  التي نيفت بها على  الثلاثين … ونمت بها في الليالي وحيدة … أضع مخدتي فوق رأسي … وأتمنى لو أنني في خيمة واسعة لكي لا أسمع فحيح  جارتنا خلف الياجورة الباردة  يقلّبها فحلها وقد  نام الصغار». 

هي ذي …إنها في كل مكان ونحن نصادفها في الحديث ونضحك منها ومنا فهي صناعتنا نحن الذين صنفنا النساء إلى  زوجات كرام و عاهرات ، نتدرب على واحدة لنحكم الأخرى ونبكي على الحب الذي لا نجد لأن الرفيقة مسطحة الفكر، ثم نخلص مسرعين إلى الجماع المتاح

لا  تظنن ما نجد الحبّ بل سيرة عشاق مستعادة من زمن كان فيها الحب لا يعني المفاخذة والقذف .

****

المراة التي نراها كل يوم  تزعج العين و المرأة التي ننتظر لا يجب أن تأتي  حتى تظل صورة  فوق ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ترجمة من كتاب رسالة في العلوم والفنون لروسو

كتبها نور الدين العلوي ، في 21 مارس 2006 الساعة: 21:37 م

القسم الثاني من الرسالة

 

انه لتقليد  قديم ذلك الذي انتقل من مصر إلى اليونان والذي يرى إن مخترع العلوم كان إلها معاديا للإنسان. [1] ما هي الفكرة التي كان حملها المصريون عن العلوم و قد ولدت بينهم  . لقد كانوا يرون من قريب المصادر التي نبعت منها العلوم وبالفعل إنا لا نجد تفسيرا للرغبة في التعلم التي تتملك الإنسان سواء ورقنا[2] [لذلك ] الحوليات العالمية أو سلمنا لبعض الأبحاث غير اليقينية للكتابات الفلسفية.  

ولد علم الفلك من التشاؤم (الطيرة )، وولدت البلاغة من الطموح والحقد  والغرور والكذب، و ولدت الهندسة(علم المساحة ) من البخل (الشح)، وولدت الفيزياء من حب إطلاع عقيم . وجميعها بما في ذلك الأخلاق ولدت من الغرور الإنساني . إن العلوم والفنون مدينة بوجودها لفسوقنا وكنا سنكون أقل شكا  

 إن فساد المنشأ لا يزداد أمام أنظارنا  إلا جلاء من خلال مواضيعها. ماذا يمكن أن نفعل بالفنون دون الرفاه الذي يغذيها ؟  لما تصلح العدالة دون اللامساواة بين الناس ؟ ماذا يكون التاريخ لو لم يكن هناك طغاة وحروب ومتآمرون ؟ ماذا يعني -باختصار- أن يقضي الإنسان عمره في تأملات عقيمة ؟

لو كان كل واحد[منا ] لا يقوم إلا للواجب وما تتطلبه الطبيعة ولا يبذل وقته إلا  للوطن وللتعساء و لأصدقائه ؟ هل وجدنا لنموت مربوطين إلى حافة البئر التي انزوت فيها الحقيقة [3].

يجب أن يغير هذا التفكير منذ البداية مسار كل إنسان سيسعى بجدية للتعلم بدراسة الفلسفة . لـــيس [ هناك ] إلا الأخطار، وليس إلا المسالك الخاطئة للبحث العلمي، كم من الأخطاء غير الضرورية والأشد خطرا ألف مرة من الحقيقة [المبتغاة ]  لا يجب المرور  بها للوصول إلى الحقيقة .إن المساوي واضحة لان الخطأ قادر على ما لا نهاية له من التعقيدات.لكن ليس للحقيقة إلا طريقة واحدة للوجود     ومن فوق ذلك يبحث عنها بإرادة حقيقية ؟ وما هي العلامة التي تدلنا عليها . ما هي الشروط الفعلية (Critérium)  [4] للحكم الصائب في هذه الكوكبة من الأحاسيس المختلفة [5]. والأشد عسرا من [كل ذلك ] و إذا توفقنا للعثور عليها أخيرا فمن منا يكون قادرا على استعمالها استعمالا جيدا ؟ [6] وإذا كانت علومنا  غير مجدية  في المواضيع التي تتناولها فإن الآثار المترتبة عنها تبدو أشد خطرا .ولأن هذه العلوم ولدت داخل الكسل[7] فإنها تعود بدورها لتنتعش من الكسل .أما الخسارة الأولى التي تسببها للمجتمع فهي بالضرورة ضياع الوقت غير القابل للاستدراك . في السياسة كما في الأخلاق يعتبر من السوء البالغ إن لا يقوم المرء بفعل الخير وكل مواطن غير مفيد يمكن أن ينظر إليه كانسان مفسد .

أجيبوني إذن أيها الفلاسفة العظام انتم الذين نعرف من خلالكم الأسباب التي تجعل الأجسام تتجاذب في الفراغ  [8](vuide) . في ثورات الكواكب ما هي العلاقات بين المسافات المقطوعة في أزمنة متساوية؟

 ما هي منحنيات النقاط المتحدة  ونقاط الانحراف والارتداد ؟ كيف يرى الإنسان أن الكل في الله؟ كيف للروح وللجسد أن يتخاطرا  ؟ وكيف تتوافق  ساعتان ؟ وأي الكواكب يمكن أن يكون مسـكونا؟ و أي الحشرات تتوالد بطريقة خارقة للمألوف ؟.

أجيبوني أقول [ لكم انتم الذين تلقينا منكم كما من المعارف السامية، لو لم تكونوا علمتمونا هذه الأشياء هل كنا نكون أقل عددا ؟ أو هل كنا سنحكم بشكل أقل سوءا أو أقل خطرا ؟ هل كنا نكون أقل ازدهارا أو أكثر شذوذا ؟

عودوا إذن إلى أهمية ما أنتجتم  فإذا كانت أعمال علمائنا الأكثر استنارة وأعمال الأحسن من مواطنينا لا تقدم لنا من الفائدة إلا أقلها، فقولوا لنا ما الذي يجب أن نظن  بهذه الكوكبة من الكتاب الغامضين والمتعالمين الكسالى الذين يلتهمون مقدرات الدولة فيخسرونها [خسرانا][9].

هل قلت كسالى؟  ليت الله جعلهم كذلك  فعلا لتكون القيم أنقى والمجتمع أكثر سلاما ،لكن هؤلاء المنشدين الفاسدين التافهين يتكالبون من كل اتجاه مسلحين بتناقضاتهم المنحطة يطعنون في أسس العقائد ، وينفون الفضيلة ويضحكون بازدراء لتلك الكلمات العتيقة كالوطن والدين ويوجهون مواهبهم قدراتهم وفلسفتهم لتحطيم وإهانة  كل ما هو مقدس عند الناس .

إنهم في الحقيقة لا يكرهون الفضيلة ولا يكرهون مسلماتنا، إنهم يعادون الرأي العام. ولإعادتهم أمام المذبح المقدس  يكفي أن يصنفوا ضمن الملا حدة .

 أيتها الرغبة في الظهور أي شر يعجزك[10] ؟  

انه لشر أكبر من الإفراط في استهلاك الوقت، هناك آلام أشد تتبع الآداب والفنون مثل  الرفاه الذي  ولد من الكسل والغرور .إن الرفاه قلما يوجد بدون العلوم والفنون ولا يمكنهما أن يوجدا بدونه .إني أعرف[11] فلسفتنا ، فهي غنية جدا بالحكم الفريدة، وهي تزعم بخلاف ما أثبتته تجربة كل العصور، إن الرفاه يصنع عظمة الدول . ولكن بعد تناسيها لأهمية القوانين الجيدة هل تجرؤ الفلسفة على إن تنكر بعد، أن الأخلاق الجيدة ليست ضرورية[12] لدوام الإمبراطوريات.وان الرفاه ليس النقيض المطلق للقيم الجيدة [13].  إذا كان الرفاه علامة ثابتة على الثروات وإذا كان يفيدنا إذا أردنا مضاعفتها فما الذي علينا استنتاجه من هذا التناقض الذي نراه على  أيامنا؟ ما الذي تصير إليه الفضيلة عندما يسعى في الغنى بأي ثمن ؟

 يتحدث السياسيون القدامى بدون توقف عن القيم والفضيلة أما سياسيونا فلا يتحدثون إلا عن التجارة والمال . يقول لكم بعضهم أن الرجل يساوى كذا لو بيع مثلا في بلاد الجزائر . ويقول لكم آخر متبعا نفس القاعدة الحسابية أن هناك بلدان لا يساوي فيها الناس شيئا وأخرى فيها ناس  أقل من لا شيء. إنهم يقدرون الناس كما يقدرون قطعان الماشية [14]. بحسب رأيهم فان الإنسان لا يساوي عند الدولة إلا مقدار  استهلاكه وبهذا فانه يمكن لفرد من (Sybarite)  [15]أن يساوي ثلاثين فردا من مقدونيا . ولنتخيل [بعد ذلك ] أي من الجمهوريتين اسبارطا أو (Sybarite) التي أخضعت من قبل حفنة من الريفيين وأيهما جعلت آسيا ترتعد فرقا. إن مملكة القرش الأكبر أخضعها ثلاثون ألف رجل يقودهم أمير اشد فقرا من أفقر دهاقنة فارس . ولقد صمد شعب (Scythes) الأشد بوسا من كل الشعوب أمام أقوى ملوك الكون [16].  لقد كانت هناك إمبراطوريتان مشهورتان تتصارعان على العالم ، كانت واحدة منهما هي الأغنى بينما كانت الأخرى لا تملك شيئا، ولقد استطاعت الثانية أن تقهر الأولى .

 والإمبراطورية الرومانية بدورها وبعد إن التهمت كل ثروات الكون صارت فريسة لقوم لا يعرفون حتى معنى الرفاه . لقد اخضع الفرنجة شعب ألغال (Les gaules) واخضع الساكسون( Les saxons)  انجلترا دون أي ثروة أو سلاح إلا شجاعتهم وفقرهم .و لقد حطمت مجموعة من الجبليين الفقراء  والذين لا يطمعون في أكثر من  امتلاك بعض جلود الخرفان، وبعد أن أذلوا عزة النمسا ذلك البيت المخيف في( Bourgogne)  والذي كان يجعل سادة  أوروبا المطلقي السلطة  ير تعودون رعبا.[17] وأخيرا فان كل قوة وعقل ورثة شارل كنت مدعومة بكل كنوز الهند تحطمت في مواجهة حفنة من الصيادين في (Haran) [18] .

ليتوقف سياسيونا عن حساباتهم ليتفكروا في هذه الأمثلة وليتعلموا لمرة انه يمكن أن نحصل بالمال كل شيء إلا أخلاق المواطنين .

 لماذا يتعلق الأمر بالتدقيق في مسالة الرفاه؟ ما الذي تهتم له  الإمبراطوريات أكثر ؟ أن تكون براقة وقصيرة الأمد أم فاضلة وخالدة ؟ وأقول براقة ولكن أية بريق ؟إن طعم البذخ لا يجتمع البتة مع طعم الشرف في ذات الأنفس. أبدا لا يمكن للأنفس المنحطة  نتيجة العناية غير المجدية أن ترتقي إلى أي مجد عظيم ، وحتى عندما تجد القدرة على ذلك فإن الشجاعة تعوزها .

يرغب كل فنان أن يصفق له [الجمهور ] إن مدائح معاصريه له هي الجزء الأغلى في مجازاته. ما الذي يفعله إذن ليحصل على هذه المدائح ؟ إذا كان من سوء حظه أن ولد في الشعب وفي الأزمنة التي صار فيها العلماء في مقدمة المشهد وجعلوا بدورهم للشباب  الطائش مهمة  ضبط الإيقاع ؟زمن ضحى الناس فيه بذوقهم لمصلحة طواغيت حريتهم [19].

حيث لا يجرؤ أي امرئ على الرضا إلا بما يتناسب مع درجة خذلان الآخر  وحيث يتم تجاهل الأعمال الشعرية العظيمة  وحيث تثبط المؤلفات الرائعة( النادرة )[20].

ما سيفعله أيها السادة هو انه سينزل بعبقريته إلى مستوى عصره وسيرغب في وضع تآليف بسيطة يعجب بها الناس في قائم حياته على أن يؤلف روائع يعجب بها الناس طويلا بعد موته . قولوا لنا أيها  أهل فولتير   المشاهير [21]  بكم من الأنفس العظيمة  ضحيتم لترضوا الأنفس المليئة بالشهامة المكتنزة بدورها بأشياء صغيرة . 2/45

وهكذا يكون تحلل الأخلاق نتيجة طبيعية للرفاه ويجر بدوره فساد الذوق فإذا وجد بالصدفة رجل من الرجال الخارقين للمألوف بمواهبهم ويكون له من الحزم ما يجعله تصدى لأمجاد عصره فيحط من قدر تلك  الأعمال السخيفة، فالويل له إذ سيموت مجهولا منسيا . ما هذا إلا معاينة أقدمها وليست تجربة ارويها[22] .  لقد حان الوقت لتسقط من أيدينا تلك الريشة المخصصة للمبالغة في عظمة معابدنا بصور مزيفة ومقدسة أو أنها ستبتذل في صور شبقة على العربات الخاصة [23].   وأنت يا غريم  (Praxitèle) و(Phidias)[24] أنت يا من كان القدامى يستعملون المقص ليصنعوا لهم آلهة قادرة على أن تغفر لهم في أعيننا عبادتهم للوثن أنت يا (Pigalle )  [25] الفريد ستكتفي يدك بترميم بطن قرد …

  لا يمكننا  أن نفكر في القيم التي لا يسعدنا أن تذكرنا بصورة بساطة الأزمنة الأولى انه ساحل جميل   بسطته أيدي الطبيعة  وحدها حتى نوجه نحوه أنظارنا بلا توقف والتي نحس بندم للابتعاد عنها .

 عندما كان الرجال الأبرياء الأفاضل يحبون أن تكون الآلهة شهودا على صنيعهم فإنهم سكنوا معها نفس الأكواخ ولكن عندما صاروا أشرارا فإنهم ابتعدوا عن هؤلاء المتفرجين غير اللطفاء واسكنوهم معابد فخمة  ثم اطردوهم من المعابد ليسكنوها بعدهم أو على الأقل فان معابد الآلهة لم تعد مختلفة عن مساكن المواطنين،وكان تلك قمة الإهانة ولم يعد الناس يبتعدون عن  الرذائل إلا عند رؤية الآلهة مرفوعة على مداخل قصور العظماء  على دعائم من رخام ومنقوشة على أقواس النصر.  فيما تتضاعف مرافق الحياة وفيما تتقن الفنون وفيما يتسع الرفاه تهن الشجاعة الحقيقية و تتحلل الفضائل العسكرية، في حين تطغى منتجات العلوم وكل تلك الفنون في المنازل كابناي …. 




[1] نرى بوضوح أن هناك عودة مقصودة إلى أسطورة برومثيوس(Prométhée) ولا يبدو أن الإغريق الذي حبسوه  على قمة  القوقاز يفكرون في ألههم  أفضل مما يفكر المصريون في إلههم تيتوس(Teuthus) ، هناك حكاية قديمة تقول أن ساتير(Satyre) أراد أن يقبل النار عند رؤيتها أول مرة لكن برومثيوس صاح فيه احذر يا ساتير ستحرق لحيتك لأنها تحرق عندما نمسها " وهذا هو موضوع (Frontispice)   

يلاحظ (Louis de Laruelle)  في عمل له نشر في (Revue d’Histoire littéraire; 1912)    أن روسو قد تعسف على معنى جملة لأفلاطون تقول ببساطة أن الإله توث(Theuth) وبعد أن اخترع علوما عديدة وخاصة منها علم الكتابة أخذ يشرح فائدتها لحاكم مصر الفرعون تاموس((Thamos) فأبدى الفرعون ملاحظة مفادها أن الناس بمعرفتهم للعلوم والآداب سيستعفون من التفكير ويمكن بذلك أن يكونوا  اقل عقلانية  مما كانوا في الماضي  . 

عندما يقوم روسو بنقل جملة من برومثيوس إلى ساتير وهي جملة أخذت من (Œuvres morales de Plutarque- Amyot) 

فان روسو يقوم بتحريف الجملة وتغيير معناها ،ولكن طبقا لما يراه (Jean Thomas:Revue d’histoire naturelle; 1932;p, 426) فان Amyot) ( بدوره يرتكب  خطا في حق (Plutarque)  عندما ينسب لبرومثيوس عبارة (car…etc.)التي يضعها  ) (Plutarque على لسان (Satyre) وتظل التلميحات التي يقدمها كل من(Dom Cajot) و لاحقا كذلك(Kruger) في عمله

(Fremde Gedanken inJ.J.R estem Discours ;halle, 1899) وكذلك(Giraldi)  في عمله (Progymnama adversus littera et litteratos, 1551) كما في عمل (Agrippa)  (De Incertitudine et Vanitate scientiarum, 1530)

  محل شك وقد قدم الأول إلى  منتاني نسخة من العمل المذكور كما ورد في(Essais 1 I,ch;XXXV)  وهو ما لم يذكره روسو أبدا وقد استعار روسو نسخة من كتاب (Agrippa) من مكتبة الملك لكن ذلك كان في شهر جوان سنة 1751 فيما تحتوي مكتبة (Neuchâtel) على المخطوطة عدد 7842 حيث مقتطفات من روسو من  (De Incertitudine)وتحمل تاريخا غير يقيني ويعاد في ذلك إلى : (Havens, p72).

[2] استعمل روسو فعل (Feuilleter) وهو يعني هنا معان متعددة منها : 1 ) توريق كتاب أو مخطوط في قراءة غير متأنية . 2 ) الدراسة والقراءة المعمقة والتطبيقية وذلك بحسب معجم الأكاديمية وذلك إلى حدود سنة 1740 . 3 ) الدراسة  والإطلاع على الكتب وذلك منذ 1760.

 

[3] تحت ضغط (Gautier)ومدفوعا لتحسين صورته المخيبة رضي روسو بالتذكير إن هذا الحكم قديم قدم الفلسفة فالصورة فعلا كانت قديمة وكلمة الديموقراطية (Quasi in puteo quodam vertatem jacere)   ذكرت في كتاب (Institutions) من قبل (Lactance)    هل كان روسو في هذه الفترة قد قرأ كتاب (Institutions) يمكن العودة إلى (La Nouvelle Heloise O.C. Pléiade t ,II ,p 384)في مقابل ذلك فان (Saint- Aubin)يورد في هامش من كتابه : (t,I,p 9: Traité historique de l’Opinion) ويضيف جملة في كتابه (Académiques de Cireron) مفادها  :" طبقا للعبارة المعتادة  حول الديموقراطية فأن الحقيقة غرقت في عمق البئر " فان روسو يكون قد قرأ  (Saint- Aubin) ويمكن العودة إلى (Le Verger des Charmettes O C pleiade t II, p 1124)    .

[4] إن استعمال روسو للفظ (Critérium) أو لفظ  (Investigation) هو نوع من الاستحداث اللغوي المقصود (Néologisme)  وقد لفت(Lecat) نظر روسو  إلى اللفظ الأول في عمله  (Recueil de toutes les pièces qui ont été publiées à l’occasion du Discours de J.J.Rousseau) المنشور لدى  (Jean Paul Mevius t II p 76)فيقول روسو انه أراد عامدا أن يخدم اللغة بإدراج لفظ طيع ومتناسق وليس له مرادف في اللغة الفرنسية " وقد سجلت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ترجمة كتاب أصل التفاوت بين الناس لروسو

كتبها نور الدين العلوي ، في 21 مارس 2006 الساعة: 21:30 م

أصل التفــاوت بين النـــاس

 جــون  جـاك  روســـو

 

 

 

ترجمة

 

 

نور الدين العـــــــلوي

 

 

 

 

 تونس 2004

 


هذا الكتاب ترجمة لكتاب جون جاك روسو :

 

(Discours sur l origine et les fondements de

L’inégalité parmi les hommes)

 

وقد تمت الترجمة باعتماد طبعة  صادرة سنة 1971 عن دار النشر الفرنسية بباريس 

         editions sociales  Les حيث نص في مقدمتها  على ان حق الترجمة والاقتباس و إعادة الطبع مسموح به لكل العالم . وقد قدم لهذه الطبعة  وعلق على النص الأصلي  مبرز جامعي فرنسي هو   ج.ل.لوسركل  (J.L.LECERCLE)ويتضمن الكتاب كذلك  ترجمة المقدمة التي وضعها  محقق النص كما تمت ترجمة التعريف الذي وضعه لجون جاك روسو .

 

*****

 

المترجم : خريج الجامعة التونسية  قسم علم الاجتماع  حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع ومختص في الخدمة الاجتماعية  يكتب الرواية والقصة القصيرة ويعمل خبيرا في الضمان الاجتماعي  ويهتم بروسو  ضمن اهتمام أوسع بالمسالة الاجتماعية  وبالترجمة لمفكري النهضة .


الفــــــهرس

 

 

1.      مقدمة المترجم : لماذا نستعيد روسو

2.      تعريف الكاتب : جون جاك روسو

3.      مقدمة المحقق :  J.L.LECERCLE

4.       إلى جمهورية جنيف

5.       توطئة جون جاك روسو

6.      المقالة …

7.     القسم الأول من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

8.     القسم الثاني من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

9.     الهوامش


لماذا نستعيد  روسو ؟

إذا لم يكن الإعجاب  بنص روسو كافيا لترجمته  فان التعلم منه يظل باستمرار ضروريا للعودة إليه باللغة المتاحة ، ولان لغة  روسو الأم لم  تعد متاحة للكثير من مريدي العلوم الإنسانية نتيجة مشاريع الترجمة العشوائية  للعلوم الإنسانية والاجتماعية ، ولان نصوص روسو  في ظل تراجع القراءة توشك ان تختفي من الرفوف إلا ان تكون تحفا خاصة ، فان التنقيب عن روسو و تقريبه  إلى قراء العربية يصير مطلبا ملحا دون ان ينفي ذلك ان قيمة روسو تظل فوق الاعتبارات الظرفية للقراءة وهو ما يجعل نصه فوق الزمن .و لن أدعو هنا إلى هذه الترجمة  بتمجيد النص الأصلي الذي خلد في الأجيال وليست هذه استعادة لأثر بعد عين .

         لقد تداول الناس لجون جاك روسو بشكل  واسع كتابه في العقد  الاجتماعي واقتطفوا منه ما يروق لكل خطاب ولكل ظرفية غير ان بقية نصوص روسو لم يتم تداولها بنفس القدر رغم أنها تقع موقعا مركزيا في فكره الاجتماعي ،ولعل كتابه اصل التفاوت بين الناس يحتل مكانة لا تقل أهمية عن العقد الاجتماعي في عقد أعمال روسو لكنه لا يبدو متداولا بنفس القدر ، ويعود ذلك في تقديرنا إلى أسباب عديدة منها ضعف الترجمة المتاحة  وتأخرها وسيطرة الفكر الماركسي والترجمات الماركسية السوفيتية بالخصوص للفكر الماركسي وتطبيقاته التي أغنت قراء العربية عن العودة إلى غيرها ممن لم يطرح  خططا عملية لإنهاء التفاوت بين الناس،  فضلا على ان الديموقراطية السياسية التي تأسست على فكر روسو لم تصل قراء العربية بعد لذلك لم تصر  الحاجة إلى روسو ضرورية للفهم والتحليل ثم بناء العمل الديموقراطي .

 هذا بعض روسو  مترجما  إلى العربية لمن لا يقرا روسو بلغته ولمن يقبل روسو ويرفض لغته أو يعجز دونها .

ان نص روسو مجملا  مادة أساسية للطلبة المتدرجين في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية يقربهم إلى الفلسفة السياسية والى الفكر الاجتماعي  لكي لا ينحصروا في شعبة من شعبه أو مذهب من مذاهبه التي تعلم الرؤية الضيقة والأفق المحدود  ونص روسو مادة أساسية كذلك للمختصين في العلوم الاجتماعية يبنون عليه التفكير في نشأة التفاوت الاجتماعي والصراعات المترتبة عنه منذ ”تجرا أحدهم وسيج أرضا وقال هذا لي“ إلى حين عولمة راس المال المتوحش الذي يعيد توزيع الفقر على صعيد عالمي … وروسو كذلك مجملا أو مفصلا للسياسي  الذي يزعم رعاية العقد الاجتماعي ويتحيّز لفئة دون أخرى ليستمر قائما يتمتع بالجغرافيا و ينسى التاريخ . وغير هؤلاء كثير فروسو لمن يبحث عن بداية سليمة منذ قرنين أو يزيد ويدور حول نفسه ولا يجد مخرجا في تراثه ولا في تراث الإنسانية الواسع الخصيب …حتى يفقد عواصمه واحدة تلو الأخرى .

 قد يكون روسو اكثر من ذلك أو اقل لكنه اسم في العلوم الإنسانية لا يمكن  المرور  فوقه والادعاء بسلامة التكوين … وعسى ان تقرب هذه الترجمة نصا من أهم   نصوص روسو إلى أهل العربية  فلهم إلى روسو حاجة لا تؤجل . 

 

و بعيدا عن  الحماس الشخصي لروسو المفكر الاجتماعي الذي علمني الكثير  لا بد من تنبيه القارئ إلى بعض المسائل التي اعتمدت في الترجمة :

-    يجد القارئ في ثنايا النص كلمات بين [  ]  تلك كلمات أضفتها ليسهل بناء النص في لغته العربية وليتضح المعنى  الأصلي كما توصلت إليه . ويجد كذلك كلمات بين ( ) تلك ترجمة للفظ واحد بمترادفين أو بمعنيين متقاربين أدعو القارئ إلى ان يختار أيهما رآه اقرب إلى المعنى وهي بدعة لم يجر بها العمل في الترجمة .

-    يجد القارئ  في متن النص وفي هوامشه كما وضعها روسو حواشي وهوامش أضافها محقق النص لدى دار النشر الفرنسية  وقد تبينت لي فائدتها في تقريب النص فترجمتها كما هي بل أضفت إليها بعض الهوامش معتمدا على معاجم حديثة لأزيد النص قربا من قارئه العربي وقد أشرت إلى ما أضفت في موضعه وعسى ان يكون ذلك مفيدا فعلا .

-    يجد القارئ  في القسم الأخير من الكتاب الهوامش والحواشي التي وضعها روسو بنفسه واختار ان يضعها ذلك الموضع من الكتاب وقد احترمنا رغبته ونبهنا إلى ما أراد في أول موضع بالهوامش المذكورة .

-    يجد القارئ أنّا تداولنا الترجمة بعنوان هو ”اصل التفاوت بين الناس“  في حين ان المتن يتضمن لفظ اللامساواة وقليلا ما تم استعمال لفظ التفاوت وقد اضطررنا إلى ذلك لان العنوان الأول قد تم تداوله و ”سارت به الركبان“ فصار عنوانا وحيدا قد يوحي استبداله بوجود كتاب ثان فضلا على ان لفظ اللاسماواة لم يدخل العربية إلا حديثا وهو من الاشتقاقات التي لا تحظى بالإجماع  المعجمي رغم سعة التداول ، ورغم انه أدل على اختلاف المكانة الاجتماعية من لفظ التفاوت  وعسى ان تثير الترجمة نقاشا حقيقيا حول هذه المفاهيم  والاصطلاحات مثلما نتمنى ان تثير النقاش حول الترجمة الأقرب للفظ (Discours) هل هو الخطاب أم المقال أم المقالة أم الرسالة أم هي معان تتغير في سياق تطور اللغة  . 

-    يجد القارئ بعيدا عن هذه الترجمة ترجمتين أخريين لأصل التفاوت بين الناس  أما أولاهما فقد قام بها  عادل زعيتر ونشرت سنة 1954 ببيروت أما الثانية فقد نشرت سنة 1991 بموفم للنشر بالجزائر  وقد قام بالترجمة بولس غانم وقدم لها ربيع عبد الكريم الشيخ ولم يرد في ثنايا الترجمة أي تعريف للمترجم والمقدم . وإذا خطر لأي قارئ ان يسال لماذا ترجمة ثالثة لنفس النص فاني ادعوه إلى ان يجري مقارنة فعلية لا سطحية للترجمات الثلاث وسيكفيه ذلك للإجابة .

-     يجد القارئ بعض أخطاء الطباعة التي تسربت رغم كثرة المصحيين  يمكنه ان يتجاوز عنها ويجد اختلافا بين ما قد يكون عرفه في الأصل ولم يجده في الترجمة فإذا أثار ذلك لديه غيرة  على أي من النصين  فان هذه الترجمة تكون قد نجحت في استعادة روسو إلى التداول اليومي … أي إلى حيث يجب ان يكون ./.

نور الدين  العلوي

 


جون جاك روسو

1712-1778

لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلط القائمة ( كارل ماركس )

 

Rousseau s’ est toujours refuse à tout compromis

même apparent avec les pouvoirs établis  .

Karl MARX( Lettre a Schweitzer 25 Janvier 1865)

 

روسو ابن الشعب

  كتب روسو عمله الأول : رسالة في العلوم والفنون  سنة 1750  في الوقت الذي كانت فيه قوى الشعب ( من غير النبلاء والاكلرويوس ) تجمّع قواها استعدادا للهجوم الشامل على النظام القديم  وكانت هذه الفترة خصبة بالأعمال العظيمة   في مجالات الفكر المختلفة كالفلسفة والعلوم والطبيعة والتاريخ والأخلاق والحقوق الخ … وكانت تضع تصورا جديدا للعالم  وتقضي على النظام الإقطاعي  والاستبداد والذي كانت الكنيسة الكاثوليكية تعمل وحدها على دعمه إيديولوجيا  ، ظهر كتاب منتسكيو  ”روح القوانين “سنة 1749 فيما نشر ديدرو كتابه  ”رسالة حول العميان “ سنة   1749  وظهر في نفس الوقت الجزء الأول من كتاب بوفون ” التاريخ الطبيعي“ وفي سنة 1750 ظهرت النشرة التمهيدية لدائرة المعارف والتي طبع الجزء الأول منها سنة 1751 مع الخطاب التمهيدي لالمبار  وفي نفس وقت ظهور كتاب فولتير  ”قرن لويس الرابع عشر“  ، صارت الآداب في منعرج القرن بشكل رئيسي آدابا ملتزمة  أو مناضلة  على الأقل في عنوانيها الأكثر بروزا . وقد عبرت عن مجملها عن  مطالب الشعب المحروم من كل حقوقه السياسية  والقائم ضد النظام الإقطاعي الذي كان يسمح لأقلية من الطفيليين بالعيش من بؤس الشعب و تعطيل نمو قوى الإنتاج واكتمال الوحدة الوطنية .  

 لقد توحد الشعب ضد الحكم الملكي المطلق  وضد النبلاء الإقطاعيين  وضد الكنيسة  التي كانت مركز تجمع كل الأفكار المناهضة للأفكار الجديدة  ، نحو  سنة 1750  تجمعت كل القوى الشعبية لتكون جبهة موحدة وتقود المعركة الأخيرة نحو الثورة الفرنسية .

 غير ان الشعب لم يكن  طبقة اجتماعية منسجمة ، كانت الغالبية الواسعة منه تتكون من المزارعين الريفيين الصغار  الذين كانوا يحتملون كل حقوق الإقطاع  وضرائب الملك  في حين ان البرجوازية  المكونة من كبار الملاك يستفيدون من النظام الضريبي القائم ومن الاستبداد وكانوا هم بدورهم يستغلون الشعب البائس .  أما في القرى  فقد كان المزارعون الفقراء الملزمون  بالقوانين التقليدية  للمجموعات الريفية   يقومون  ضد المزارعين الكبار الذين يستغلون الأراضي طبقا للأساليب  الرأسمالية الجديدة  وفيما بين مواسم الزراعة كانوا يخضعون لاستغلال التجار الذين يشغلونهم في المنازل مقابل القوت اليومي  فقط . أما في المدن فكان الحرفيون  الصغار يعانون من المنافسة القوية للصناعات التحويلية  وفي سنوات المحل كان أفواج من ضعاف الحال يموتون جوعا فيما يغتني المضاربون على الحبوب .. وقبل ان تتجلى هذا المواقف المتناقضة تحت راية الثورة فإنها تجلت في النظريات . كان البرلماني الكبير والنبيل الإقطاعي منتسكيو  المرتبط بالنظام القديم يحاول في أعماله المصالحة بين النظام الإقطاعي و التطلعات البرجوازية  أما فولتير والموسوعيون الأكثر جرأة منه فكانوا يقومون بوضوح ضد النظام القديم  ويمثلون مطالب البرجوازية التقدمية و فولتير نفسه  وهو ليتيس  ودي هولدباخ   فكانوا من المصرفيين            و أصحاب الأموال   وكان برنامج هؤلاء  يسير باتجاه التاريخ  وينحو إلى تقوية القوى المنتجة .  وفي المجال الفلسفي فان البعض منهم يذهب إلى حد الدعوة المادية  ويعتقدون ان الإنسان قادر بالعلم وحده  على الوصول إلى ماهية الأشياء  وتنمية الحضارة  وتأمين السعادة على الأرض  كانوا يؤمنون بالتقدم  أما في السياسة  وإذا اتفقوا على ان ساندوا اطروحات  ديموقراطية  في مواجهة الاستبداد  ( مقال السلطة السياسية لديدرو)   فانه لا يمكن ان نعتبرهم ديموقراطيين  لقد كانوا كرماء ويريدون تامين سعادة الشعب …  ولكن لم يكن من رأيهم  ان هذه السعادة تكون من عمل الشعب بنفسه  أي من الدهماء الفاقدة للأنوار وللحس السليم  كما يقول دي هولباخ  ولأنهم برجوازيون  فقد كانوا يحذرون من الدهماء المضطربة ويرون ان إقامة حكم العقل هي من مهام قلة من الرجال المستنيرين ..

 لكن حكم العقل كما يقول انجلز ليس إلا حكم البرجوازية وقد صار مثاليا  فبعد الأرستقراطية   بالميلاد  تقوم الأرستقراطية بالمال  فلا يقوم الحكم إلا باستغلال  الطبقات الشعبية  ، والبرجوازية الصغيرة المتوافقة مع البرجوازية الكبرى  ضد النظام القديم ليس لديها أي داع للقبول بتطور الرأسمالية الذي يدفع بها إلى الخسران  والحرمان من الملكية  وهي لا تربح شيئا من الإقطاع  وهي تعاني من النظام القديم ولكن هل كانت فعلا متفتحة على الأفكار الديموقراطية ؟  لم يكن  لهذه الطبقة من برنامج اقتصادي فعال فهي تتمسك بلا أمل بملكيتها الصغرى المحكوم عليها بالفناء تاريخيا وليس لديها أمل  إيجابي يأتيها من النظام القديم .  ان طموحاتها تتحول إلى أحلام طوباوية :  نظام من المساواة  الاجتماعية يصير فيه كل المواطنين ملاكا صغارا  ، ولان هذا الحلم يتناقض مع التطور الاقتصادي الذي لا مرد له فانه لا يمكنها إلا ان ترثي مسيرة التقدم التي ترى فيها تراجعا أي تراجعها الذاتي لذلك نظرت هذه الطبقة نظرة حذرة إلى التقدم العلمي  وسيلة التقدم ولم يمكنها ان تثق في العقل دون ان تحفّظ.

 في هذا الإطار يجب وضع أعمال روسو الذي أعطى لمجموع الطبقة البرجوازية الصغيرة إيديولوجيا ،  لقد كان روسو في نفس الوقت متقدما اكثر من الموسوعيين واكثر منهم ورعا وكان أكثرهم حزما وعمقا في التفكير السياسي وهذا هو التناقض العميق في أعماله والناتج لا عن ضعف في عبقريته بل عن الوضع المتناقض للبرجوازية الصغيرة التي كان ينطق باسمها . 

سنوات التكوين

ولد روسو بجنيف سنة 1712  وسيكون من قبيل الغمط لكل أثره الفكري  ان ننظر إليه كمواطن من جنيف  كتب فقط لأهل جنيف  ومن اليقين انه عندما كان يكتب العقد الاجتماعي كان يجهل كل شيء عن دستور جنيف .ان روسو ينتمي إلى فرنسا لا لانه متحدر من أسرة بروتستانتية التجأت إلى جنيف من فرنسا في القرن السادس عشر فقط بل لان ثقافته فرنسية بالكامل وقد ساهم بدور فعال في الثقافة الفرنسية والحياة السياسية بفرنسا .. غير ان انتماؤه إلى جنيف قد لعب دورا مؤثرا على بعض أعماله ، لقد ولد على مذهب كالفن  أي على دين فرداني اكثر عقلانية واكثر صرامة وتقشفا من الكاثوليكية ( ان الإصلاح الديني حسب ماركس كان هو المرحلة الأولى من الثورة البرجوازية ) خاصة وان جنيف كانت جمهورية  وكان روسو يفخر طيلة حياته انه من بين رعايا ملك فرنسا الذين ولدوا في جمهورية واللقب الوحيد الذي يحمله أبدا هو ”مواطن من جنيف“ . وغير مهم لدينا هنا ان لا تكون هذه الجمهورية اكثر من حكومة أقلية من الأغنياء حيث تتجمع السلطة بين أيدي مجلس صغير من خمس وعشرين عضوا  ولم يتفطن روسو إلى ذلك إلا بعد ان نشر أعماله  لقد ساعدت روسو ولادته جمهوريا للوعي بفرادة فرنسا  . كان أبوه ساعاتيا و  أسرته تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة  ولا يعتبر روسو نفسه متحدرا من الطبقات الفقيرة جدا  ، وقد ولد كما يقول في الاعترافات  في عائلة تتميز عن الشعب  بأخلاقها  ولكنه وجد نفسه بسرعة  متروكا لحاله فانتمى إلى الشعب.   لم يكن أبوه رجلا مستقرا وكان وهو يصلح الساعات يجبر ابنه على ان يقرا له روايات عاطفية ولكن يجبره كذلك على قراءة كتب من قبيل الرجال العظماء

  (Les Hommes Illustres)  لبلوتارك (Plutarque)  والذي كان منذ قرن  بمثابة مختصر للمدنية لدى كل  ذوي الميول الجمهورية وقد غادر الأب جنيف دون ان يهتم مطلقا بجون جاك  والذي كان قد فقد أمه قبل ذلك .., أودع الطفل لدى القس (Lambercier)   لمدة عامين وعنده بدأ يتعلم اللاتينية  وكانت تلك تقريبا هي الدراسة الوحيدة المنتظمة التي خضع لها تحت إشراف شخص آخر  ثم بدا يتعلم مهنا مختلفة فمكث حولين عند خطاط وكانت شروط التعلم المهنية من أقصى الشروط المهنية في ذلك العصر  وكان جون جاك يمتحن ويضرب ويتعرض للمنغصات ويدافع عن نفسه بوسائل طفل ،فكان يكذب ويختلس وذات يوم هرب ليقضي ثلاثة عشر سنة من عمره متسكعا   عرف خلالها كل المهن وكل أشكال البؤس حتى انتهى في حماية سيدة شابة ( Mme de Warens)  ثم صار عشيقا لها . كانت  السيدة بدورها امرأة مغامرة وبلا مب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصصي القصيرة …

كتبها نور الدين العلوي ، في 14 مارس 2006 الساعة: 21:39 م

 
 
 
 
حـــــالة فقر …عامة
كتبت مفكرا في…. احمد الــ/ك/ش/ج/لبي …   
 
 
ولد فقيرا جدا حتى انه لما رأى النقود المزيفة التي يلعب بها أطفاله في المدرسة حسبها نقودا حقيقية واحتال عليها ليشتري بها سروالا جديدا غير مثقوب عند الركبتين ، كان فقيرا جدا حتى ان أولاده لم يذهبوا إلى المدرسة ولم يلعبوا بالنقود المزيفة … كان فقيرا جدا حتى انه لما تزوج ، لم ينجب أولادا ، البعض قال انه كان ينام بلا عشاء فلا يدفع جيدا فلم تلقح النعجة . كان فقيرا جدا حتى انه لم يتزوج… لما خطب فتاة أفقر منه ترى الخبز كنزا في الأساطير ، كان فقيرا جدا حتى انه لم يفكر في الزواج . كان اسمه احمد وله رقم بطاقة لم ترد في القصيدة ولكنه في السجلات على كل حال … وربما نودي للانتخابات يوما فمن يدري فهو مدخر للوطن .
كان فقيرا ولكنه لم يمت … قوانين الدين تقول انه مبتلى وسيصبر ، قوانين أخرى تقول انه مؤهل للانتفاض على الغنى وقوانين علم النفس تقول انه يتعزى بالأمل وقوانين الاجتماع تقول انه حالة عامة ،وكذلك كان …
 كان له صحب من الأغنياء بالأمل … سهروا يتدفئون على عيني قط مرعوب من سيقانهم الطويلة العارية تحاصره فلا يجد فكاكا مثلما في قصص الدوعاجي وبقية الحشاشين على طرف المدينة . اجتنبوا الحديث في السياسة فهي لا تغني إلا فئات قليلة تضيق باستمرار ، ويلزمها شيء من قلة الخلق الحميد ، تحدثوا عن الرياضة وعندما وصلوا إلى الجمعيات التي تربح دائما بضربة الجزاء سكتوا فالهواء له أذان ، تحدثوا عن الدراهم وعن الفلوس وعن البسيطة التي صارت بزيته وعن الصرف وعن التبادل أحدهم يسمع الأخبار دائما فحاز ثقافة وفهم فعلا انه حالة عامة فهدأت خواطرهم … وذهبوا للنوم .
 ذهب للنوم ونام … كان فقيرا ونام ، رغم الجوع نام وحلم ان السماء تمطر ذهبا ، في البداية أمطرت فضة ولكن بعد تحرير سعر الفضة وإسقاطها من قائمة المعادن الثمينة نظر إلى السماء شزرا ، فصارت تمطر ذهبا خالصا . لم ترسل السماء سبائك، لم تشأ السماء ان ترجمه . أرسلت قطعا خفيفة كريش النعام ،كالند يف ، كالسحب السينمائية،   تظل تسبح في الفضاء حتى تصل إليه فيلتقطها وهو سابح قريبا من الأرض التي اصفرت ذهبا رقيقا ،   ملا جيوب قميصه كلها رص فيها الريش الذهبي رصا ثم في جيوب البلوزة السوداء ملا الجيوب الداخلية حتى انتفخت ثم الجيوب الخارجية حتى تساقط من حوافها الذهب الريشي. صب عليها الماء لتلتصق ببعضها البعض . صارت كتلة متراصة متضامنة حتى أراد تشبيهها بالحكام العرب ، لكنه لم يشأ ان يفسد حلمه بمشاعر كابوسية ، زاد عليها قليلا من الذهب حتى فاضت من جديد . الذهب كثير ويتكاثر والبلوزة لم تعد تحوي اكثر مما حوت … صار ما بين السماء والأرض ذهبا ، تمطر… تمطر… تمطر ، وهو يعض أصابعه ندما على ان ملابسه لم تكن أوسع على انه لم يكن يضع اكثر من بلوزة على انه لا يملك اكثر من بلوزة على انه فقير بلا ملابس كثيرة ولكن السماء لا تزال كريمة وسيجمع الذهب وينسى الفقر إلى الأبد . ارتفع فرأى الذهب ينزل في أماكن كثيرة فنزل عليه داء الأغنياء سيجمع الناس مثله الذهب وسيصيرون أغنياء مثله سيكون غنيا من بين الأغنياء وليس الأغنى. بدأت مرارة تصعد في لعابه اللاهث ،سيكونون أغنى منه لانهم أغنياء بعد وهو غني مستجد ، فقير من فقراء الأغنياء .ليت الناس لا يتفطنون إلى الذهب السماوي فيظل الأغنى فوق الأغنى من الأغنياء . ثم عض على أطراف أصابعه ،عليه الجمع وليتوقف عن التفكير ، عندما كان فقيرا كان يقول ان المعز هو الأذكى من الحيوان لانه يأكل و يثغو فيحتج على الجدب دون ان تضيع منه قضمة واحدة.   طور أفكاره بسرعة كالأغنياء ، نزع البلوزة ربط كميها ، حمد الله ، لان البلوزة مما يدخل فيها اللابس كالبرميل فليس بها أزرار يمكن ان تحتاج إلى إخاطة أو غلق ، ربطها من مخرجها الأسفل وهو مدخلها الوحيد. لم يكن له جورب ليربطها بجوربه فربطها بحبل صارت كيسا ملأها ذهبا ند يفيا اصفر كالحياة ، وقال الفقراء وحدهم يشوهون اللون الأصفر فيرون الموت أصفر لانهم لا يطالون الذهب الذي بين يديه . امتلأت حتى خرج الذهب من عنقها من موضع العنق فيها لمزيد من التدقيق ،   أخذها من كميها طاف بها عانقها قبل فتحتها بلا سوء ظن ، زوادة للأيام القادمة المجيدة ، نهض ثم قرفص ورمى الحاوية على ظهره بمشقة وعسر، ثمن الثروة التعب ،هكذا يرى الأغنياء ولا بأس من اجل الغنى بشئ من   التعب ، كانت ثقيلة اثقل من أموال الدنيا كلها ، ما اثقل الذهب السماوي ، انه اثقل من الذهب الأرضي وهذا سبب للغنى انه أغلى سعرا في السوق ، أغلى من نفط العرب على كل حال ، وبصق على السياسة ،و دب والكيس الذهبي على ظهره ، إلى الأمام لم يسال نفسه عن الوجهة ، لم يكن له بيت ليعود إليه ولكنه سار إلى الأمام فقط إلى الأمام كالأغنياء الذين لا يتراجعون ، … لم تطل به الطريق أحس نشيشا باردا يسيل على مؤخرته   ورجليه … بارد كالصقيع ، وله ملمس الماء الذي يشربه الأغنياء في الصيف … أدار يده خلف ظهره ، تحسس مصدر البرودة ، كان الذهب يسيل من البلوزة المثقوبة ثقبا لطيفا من الخلف ، حيث تصل يده بصعوبة لتسده ، لم تشغله البلوزة إلا بقدر سيكون غنيا ويشتري غيرها ، شغله سيل الذهب على مؤخرته .. لا يهمه ان تكون صفراء زعفرانية  مشتهاة سيكون غنيا وسيغطيها ، شغله ضياع الذهب الذي تعب في تحصيله ، الغني لا يفرط في ثروته من ثقوب صغيرة ، يسد الثقب بما يتيسر ويحفظ ثروته ، برك على الأرض فانسد الثقب ، وكف الذهب عن السيلان ، ولكن عليه ان يذهب إلى الأمام فهو غني ، قام وتقدم ، البعض يقول نهض وارتقى ولكنها عبارات ليس إلا وهو ليس في محل استعراض لغة الأغنياء ان الأغنياء لا يثرثرون كالمثقفين والعرب منهم خاصة بعد اختراع القنوات الفضائية وحرية الصحافة حيث يريح الكلام من مشقة الصياح في الشوارع ، مع الغوغاء ، التي لا تنتج قيادتها إلا في كرة القدم ، تقدم …عاد الذهب البارد يسيل على قفاه ، أدار إصبعه الأوسط فهو الأغلظ من بين الخمسة ، أولج الإصبع في الثقب فكف الذهب عن السيلان ، لكن ثقل الحمل جعله يطحر …   يحشرج بالعربية القديمة ، تتدلى الزكيبة خلف ظهره فيرفعها فيزمها زما… وهو لفظ محلي لم يدخل في القاموس الذي أغلقه ابن المجتهد ، يبحث عن الهواء ويتقدم يسحب الهواء والحمل الثقيل ممسكا بيد ساد الثقب بوسطى اليد الأخرى ، .
 الحكاية يمكن ان تنتهي هكذا …
اكثر من الصوات المكتوم الصادر من مكنون نفسه الحالمة بمجد الأغنياء ، تحت ضغط حمله الغالي ، لكن صوات المرء لا يزعجه ، لذلك نضيف بجانبه امرأة تنزعج من صواته ، المخنوق وقد بدا يوسع المكان ليضع الكيس بجانبه ، ويخيط ثقبه الآخذ في الاتساع ، قبل ان يتسع الفتق على الراتق مثلما قالت العرب التي لم تعرف آلات الخياطة وعرفت فقط ان تشبه البغي بالإبرة لأنها مثقوبة ثقبا صالحا للاستعمال دائما ، صارت المرأة على حافة السرير ولا باس ان ينام الفقراء في الحكاية على أسرة ، لم يشر إليها في البداية ، أوشك ان يوقعها أرضا انزعجت ، قامت سحبت بقية الغطاء من فوقه اشتد به البرد وهو يطحر ، قام مرعوبا أو مشمئزا كان عاريا من جبته القديمة   متكورا على نفسه كما في نوم الفقراء البعض يراه منكمشا كالقنفذ ويجد في ذلك دلالات … وكانت يده خلف ظهره الأجرد وإصبعه الوسطى تسد ثقبه الخلفي … ان يسيل ذهبا …/
 
 نور الدين العلوي ( نشرت في مواقع اخرى منها موقع كل يوم )

عودة البينوكيو
 
 لتذهب بلادة النقاد للجحيم أو لتذهب إلى الجنة، فسيان لدي فانا لا أرى النقاد إلا في المقاهي. وسيان لديهم فهم ليسوا قادرين على التلذذ بأي منهما، فالنقاد عادة لا يؤمنون بالكلمات الأولى ويعودون بالكذب الجديد إلى الكذب القديم فيحرمون الناس من متعة التخيل الجميل.أما أنا فاكتب حقائق الحياة وهي تعبر عقلي المريض بالناموس الأزلي وأقول إذا بقيت وحدي واشتد  بي الضر "رب ضارة نافعة ". وهاهي كل التفاصيل في الحكاية القديمة تعود من جديد دفاعا عن حقي المشروع في الكذب الجميل وليذهب النقاد للجحيم فهم ينتظرون النص ولا يخلقون،أما أنا فقد جدعت انفي وسرت في الطريق دون انف اجمع القش وبذور عباد الشمس السوداء وأقول " كان الصيف حارا وسيكون الشتاء قاسي البرودة إذا لا بد من الاحتياط " وادخل جحري في الليل واشهد في التلفزة حركة الأكوان بجواري  وأقول السلام علي قبل الفرجة في الفتى ذي الأنف الخشبي فقد عرفته  لما كنت طفلا مهملا في مدرسة ألقن القصص القصيرة الموجهة للأطفال الأغبياء وأقول للمعلم بذكاء الأغبياء " كيف للخشبة تطول وهي ميتة مقطوعة من أصلها ؟ ولم يجبني معلمي الزنجي واسمه المحمود ابن الصالحة لأنه تخيل أنني أبر من حكاية أطفال.فتركني لحالي مطمئنا،وأعطاني أحسن الأعداد لاتقائي واجتناب ضجتي في ركن الأطفال المهملين بالفصول المدرسية.ثم نسيني لما انتقلت للمعلم الموالي أما أنا فلا أزال اذكر بكل خير  سحن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مقالاتي العلمية

كتبها نور الدين العلوي ، في 14 مارس 2006 الساعة: 21:36 م

 القرض الاجتماعي و التنمية الاجتماعية
 نور الدين العلوي
استاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
توطئة :  
 كيف السبيل إلى الحصول على قرض من مؤسسة الضمان الاجتماعي ؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه اغلب الناس والموظفين منهم خاصة على العاملين في أحد الصناديق الاجتماعية ، لقد آذنت صورة ”دار الأولاد“ وهو اسم التودد الذي أطلقه الجيل الأول من المضمونين الاجتماعيين على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالأفول   وان لم تحل محله تسمية جديدة إلا ان مؤسسة الضمان الاجتماعي صارت مؤسّسة  ”مختصة “في تقديم قروض اقتناء السيارات "الشعبية" وأخرى  لبناء المساكن.  ان الصورة الجديدة هي صورة  البنك الاجتماعي الذي يتسابق الجميع للنهل منه ويراجعون حياتهم المهنية ويحرصون على الاستقرار المهني والتمسك بمواقع عملهم  إذ إن ذلك هو الشرط الموضوعي لاستحقاق القروض الاجتماعية [i].
ونحاول فيما يلي تتبع نشأة القرض الاجتماعي وتطوره التاريخي ضمن منافع الضمان الاجتماعي (1) والبحث في التعديلات التي عرفها في عقد التسعينات خاصة (2) وذلك سعيا للإجابة عن سؤال دقيق هل تدل هذه المنفعة التي نشأت ضمن مشروع اقتصادي ليبرالي و تطورت في سياق مشروع الإصلاح الهيكلي للاقتصاد، يجعل الاجتماعي لاحقا للنجاعة الاقتصادية على اتجاه معين في السياسة الاجتماعية التي تعلن الانهمام بالتنمية الاجتماعية أم أنها تكشف - تخفي الصراع الاجتماعي المتسربل بالقانون حول الموقع الاجتماعي (3) ؟
 
1         نشأة القرض الاجتماعي وتطوره .
نعني  بالإقراض الاجتماعي هنا ، كل أصناف القروض المالية التي تسلمها مؤسسة الضمان الاجتماعي بصفة أساسية لمنخرطيها( المضمونون الاجتماعيون بمختلف أصناف الانخراط أو الأنظمة الضمانية التي تديرها يستوي في ذلك منظورو القطاع العام والخاص) والقروض التي تسلمها مؤسسة الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص( الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المؤسس بمقتضى القانون عدد 30 لسنة 60 المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 ) للمؤسسات الاقتصادية الخاضعة لأنظمة الضمان الاجتماعي التي تديرها . 
و لمتابعة النشأة والتطور التاريخي للقرض الاجتماعي فانه يستقيم منهجيا ان نمسك أولا من نقطة البداية أو النشأة القانونية لهذه المنفعة ضمن حقل الضمان الاجتماعي ثم نتابع ثانيا مختلف الاحداثات القانونية التي يمكن اعتبارها تراكما تاريخيا في نفس السياق والذي ينقسم إلى مرحلتين هامتين هما ما قبل سنة 1988 (وهي السنة الفعلية لانطلاق الإصلاح الهيكلي بصفة عملية) و ما بعدها .
أ- التأسيس القانوني للإقراض الاجتماعي   .
يمكن العودة بالأساس القانوني للإقراض الاجتماعي إلى الأمر عدد54 لسنة 76 المؤرخ في 23 جانفي 1976 الذي يخوّل للصندوق ”القومي“ للتقاعد والحيطة الاجتماعية أن يمنح لمنخرطيه من منظوري القطاع العام   قروضا موجّهة لبناء مساكن أو اقتنائها. وكذلك تقديم قروض محدودة للاستهلاك المباشر. ومنذ تأسيس هذا التقليد في القطاع العام "نظر إليه كمنفعة وامتياز لمنخرطي هذه المؤسسة من موظفي القطاع العمومي خصوصا إذا أخذت بعين الاعتبار الفائدة الموظفة عليها مقارنة بالفائدة في البنوك التجارية.فإذا أضفنا إلى إمكان الحصول على قرض للسكن والقرض الشخصي وهي التسمية للقروض الصغيرة أو المحدودة السقف، قروض الحصول على سيارة خاصة للتنقل فإن الرغبة في تعميم هذا الامتياز تصبح مطلبا عاما" [ii].  والمطلب العام المقصود هو ان تعمم هذه المنفعة على غير منظوري القطاع العام الذين ينخرطون في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحيث يتساوى جميع المضمونين الاجتماعيين بقطع النظر عن قطاع النشاط[iii] .
وقد حصلت استجابة فعلية لهذا المطلب[iv] إذ صدر الأمر  عدد 1371 لسنة 81 المؤرخ في 26 أكتوبر 1981 ليمكن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من تقديم أنواع ثلاثة من القروض لمضمونيه اعتمادا على تعديل جوهري طال القانون عدد 30 لسنة 60 والذي أسس ونظم الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص بعد الاستقلال من خلال مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، ونعني به التعديل الصادر بالقانون عدد 5  لسنة 81 المؤرخ في 12 فيفري 1981، ثمّ جاء الأمر عدد 383 لسنة 86 المؤرخ في 22 مارس 1986 المتعلّق بمنح قروض سكنية من طرف صناديق الضمان الاجتماعي ليكمل هذا البناء التشريعي . وسنعرض إلى هذين النصين بشيء من التفصيل لنفهم كيف اندرجت   ضمن  الإطار العام لقوانين الضمان الاجتماعي.
* القانون عدد 5  لسنة 1981 المؤرخ في 12 فيفري 1981.
 حمل هذا القانون جملة من التعديلات الجوهرية التي مست فصولا كثيرة من القانون عدد30 لسنة 60 يتعلّق الجزء الأكثر منها بالمنافع الاجتماعية المتفق عليها ، غير أن ما يهم في هذا السياق  هو إضافة الفصل 24 مكرر الذي أحدث بمقتضاه ”صندوق مال خاص يقع تمويله بمساهمات ترفع من احتياطي أنظمة الضمان الاجتماعي التي يديرها الصندوق الوطني  بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ويهدف هذا الصندوق إلى النهوض بعمل اقتصادي واجتماعي لفائدة العملة وذلك بإسناد قروض، ويضبط تنظيم هذا الصندوق وكذلك تمويله وأساليب تدخّله في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي بأمر وهو الأمر عدد1371 لسنة 81 “،والملاحظة التي يمكن أن نسوقها هنا هي:   أن القروض صيغت ضمن النهوض بعمل اقتصادي واجتماعي يعود بالنفع على العملة دون تحديد طبيعته أو مبلغه أو حدوده [v]إذ سار النص على الإطلاق لا على التحديد وهو ما تكفل به النص التطبيقي اللاحق أي الأمر عدد 1371  لسنة 1981 المؤرخ في 26-10-1981و  المتعلّق بإسناد قروض من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، واكتفى  المشرع في المراحل اللاحقة بإدخال تعديلات على النصوص التطبيقية مبقيا على المبدأ المنصوص عليه بالفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60 وقد تضمن ثلاثة عناوين  للإقراض هي قرض السكن والقرض الشخصي وقرض المؤسسة .
·       قروض السكن : جعل الإقراض من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعنوان السكن مكملا لعملية الادخار لدي الصندوق القومي للادخار السكني أو من صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء وذلك لإتمام عمليات تحسين السكن أو إتمام تمويل أو اقتناء ارض صالحة للبناء ،ضمن شروط فنية تتعلق بتوفر أقدمية من سنوات المساهمة و الأجر بما يسمح بالاستخلاص دون الإضرار بالقدرة الحيوية للمضمون الاجتماعي، و سيظل هذا الطابع التكميلي ملازما لهذا الصنف من القروض مما يعطيها باستمرار طابعا محدودا فلا يمكن الاكتفاء بها وحدها . أما بخصوص التصرف فقد صيغت القروض ضمن رصيد أو صندوق (Fond) أي محاسبة مستقلة تمول من مساهمة سنوية يدفعها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق التامين على الشيخوخة [vi]كما يمول من عائدات القروض والمبالغ المستعادة ومحصول الإيداع الاستثماري .
·        القروض الشخصية : هي قروض تمنح بنفس شروط قروض السكن من حيث أقدمية المساهمة مع تقدير الأجور الأدنى أما غايتها فتمكين المضمون الاجتماعي من اقتناء تجهيزات أو مجابهة مصاريف استهلاك وتمنح بكفالة المؤجر بفائدة 4 بالمائة . وهي كما يظهر من تحديد مجالاتها قروض وضعت للرفع من القدرة الاستهلاكية للمضمون الاجتماعي وبالتبعية للرفع من الاستهلاك عامة . 
·        قروض المؤسسة : هي قروض تمنح للمؤسسة الاقتصادية غير العمومية وليس للمضمون الاجتماعي من اجل غاية بدت جديدة في حينها ومختلفة عن كل منافع الضمان الاجتماعي إذ تقدم للمؤسسة الاقتصادية التي هي الممول الرئيسي ( بحسب النسبة المأوية للمساهمة ) لمنافع الضمان الاجتماعي وذلك لتمويل مشاريع اجتماعية لفائدة العملة دون تحديد دقيق لطبيعة هذه المنافع لكن على أساس دراسة فنية تشارك فيها لجنة المؤسسة أو اللجنة المتناصفة وتوظف على هذا الصنف من القروض فائدة قدرها خمسة بالمائة وتسترجع في اجل سبع سنوات .
يتجلى من خلال النصوص التاسيسية ان القروض الاجتماعية اتجهت بالأساس إلى المضمون الاجتماعي كما أنها اتجهت غالبا إلى منافع وان بدت كمالية إلا إنها ذات طابع اجتماعي بحت هي بناء المسكن أو اقتناء الحاجات الاستهلاكية كما أنها تشجع المؤسسة الاقتصادية على دعم العمل الاجتماعي من خلال تشريكها في ضمان القرض . فهي ليست قروض استثمار اقتصادي بل قروض تنمية اجتماعية بالأساس وهي بذلك منسجمة مع مقتضيات الفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60 . وإذا كان السؤال عن جدوى إحداث هذه القروض غير ذي معنى فانه يمكن السؤال عن الإمكانات المادية التي سمحت بها والغايات السياسية التي قد تكون وراء إحداثها
 
ب : المرحلة الأولى من تطوير القرض الاجتماعي.
 إن تنظيم القروض الاجتماعية لم يتوقف عند الأمر المذكور بل تم تطوير هذا التراث القانوني بإلغاء الأمر عدد 1371 لسنة 81 وتعويضه  بالأمر عدد 383  لسنة 86 المؤرخ في 22-3-1986 .وقد اتجه الأمر الجديد إلى حصر الإقراض في مجال السكن فقط ووسع الحق لغير الأجراء مما فتح إمكانية الاقتراض للعملة غير الأجراء أو المستقلين   غير انه في المقابل حصر الحق فيمن كوّن من هؤلاء رصيدا مدخرا لدي الصندوق القومي للادخار السكني  (CNEL) .ان المقارنة بين أحكام النصين القانونيين تسمح باستخراج جملة من الملاحظات التي تدعو إلى طرح جملة من الأسئلة و أهم هذه الملاحظات :
-          اتجهالمشرّع في النصّ الترتيبي الأوّل إلى تنويع مجالات القروض  بحسب ما يرى من مجالات تنمية اجتماعية للفرد فسهل الحصول على القروض بثلاثة أبواب هي السكن والقرض الشخصي للأفراد والقرض الاجتماعي-الاقتصادي لفائدة المؤسسة في حين حصر هذا الحق في الأمر الثاني في مجال قرض السكن فقط .
-        اتجه المشرّع في النص الأوّل لمنح هذه القروض لجميع العملة ( المضمونين الاجتماعيين ) في حين خصصها بالأمر الثاني للمنخرطين في صندوق الادخار السكني دون سواهم مما يحد من عدد المستفيدين.
-        اكتفى في النص الأوّل بتحديد ثلاث سنوات أقدمية انخراط كشرط استحقاق في حين رفعها في الأمر الثاني إلى خمس سنوات كاملة.
-        حدد النص الأوّل سقف القرض السكني عند ألفي دينار في حين رفعه في الأمر الثاني إلى خمسة آلاف دينار قابلة للزيادة إلى 11 ألف دينار.
-         ترك الأمر الأوّل إمكان الجمع بين قروض السكن وقروض النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء (FOPROLOS)[vii] في حين منع الجمع بينهما في النص الثاني.
-        حافظ الأمران على الإجراءات نفسها عند المنح والاستخلاص وبالخصوص على دور المؤسسة المقرضة حتّى ينظم لاحقا دور لجنة مختصة بصلب الصندوق [viii]. كما حافظا على مبدأ تمويل الإقراض بواسطة تمويل من احتياطي الصندوق يدعّم بالفوائد المستخلصة.
بحيث يتبلور من خلال هذه الملاحظات  اتجاهان يتفقان أوّلا على قاعدة التمويل ولكن يختلفان في وجهته، بحيث يتجه الأوّل بالنص إلى توسيع قاعدة المستفيدين ولكن بمبالغ محدودة السقف بينما يتجه الثاني بالنص الثاني إلى حصر عدد المستفيدين، ولكن بالرفع من قيمة القروض فيكون الأوّل في تقديرنا  اتجاه إقراض اجتماعي ”شعبي“ يتفق مع روح الفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60  في حين يكون الثاني اتجاه إقراضي فئوي ، يغلب الجانب الاقتصادي( مردودية القرض المضمونة بضمان فئة الأجر التي يمكنها إنجاز الادخار ثم الاقتراض )  على الجانب الاجتماعي ( الذي يحفز اقتناء الضرورات الدنيا ) .
وإذا نظر إلى المسالة من زاوية أهمية تملك المسكن الخاص في  وعي و سلوك المستهلك التونسي فإنه يمكننا التنبؤ على ضوء هذه الإمكانات الاقتصادية بمن سيستطيع تملّك مسكنه الخاص بحكم الاستفادة منها عند التطبيق بحيث يطرح السؤال عن عدالة التوزيع الاجتماعي على أساس الضمان الاجتماعي المهني[ix] .
 
 
 
 
2 القرض الاجتماعي في التسعينات .
 
على ضوء الاحتمالات- التوقعات المثارة في المرحلة الأولى من تطور الإقراض الاجتماعي ، ما هي الاتجاهات التي سيتخذها القرض  الاجتماعي في ظل تحرر الاقتصاد الذي يعتمد على القوى الاقتصادية الحرة من خلال دعم المؤسسة وإطلاق قدرتها على العمل، هل سيعمل الإقراض كدافع للاستثمار أم كعائق له ،أم سيعمل كدافع للاستهلاك ليعود بذلك كداعم غير مباشر للمؤسسة فيتخذ كمثير اقتصادي إذ يحفز على الاستهلاك، انطلاقا من ان الاستهلاك الكمي و النوعي هو المحرك للاقتصاد الحر إذ يلعب في نفس الوقت دور المثير والمستوعب للإنتاج الاقتصادي .
 
أ: الظرف الاقتصادي والاجتماعي للتسعينات .
 
ان عملية الإصلاح الهيكلي للاقتصاد هي الإطار الذي لا يمكن دراسة تطور القرض الاجتماعي خارجه فالعملية الاقتصادية وكل ما يرتبط بها بما في ذلك التصرف في الضمان الاجتماعي بمختلف المنافع تقع في صميم هذه السياسة [x] .لذلك فان دراسة أي تعديل أو إضافة لا بد ان تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطي التأسيسي [xi] ، حيث يمكن ان نجد ان المخططات الاقتصادية قد انطلقت من مراجعة عميقة لمسار ومصير الضمان الاجتماعي،   فالمخطط الثامن  للتنمية عاين مثلا  ”ضعف مردود استثمار أموال الاحتياط للصناديق إذ يبرز من خلال تحليل استثمارات الضمان الاجتماعي في الفترة ما بين (85-80) . إذ أن 48,5% من هذه الاستثمارات شملت الميدان العقاري المتميّز بمردودية ضعيفة إذ لا تتعدى بالنسبة للمساكن الاجتماعية المعدة للكراء 1%. كما تتعلّق نسبة 41,7% من هذه الاستثمارات بالاكتتاب في رقاع التجهيز التي كانت فوائدها تساوي 5,5% مما لم يسمح للصناديق بتوجيه قسط من تمويلاتها نحو صيغ توظيف أخرى أكثر مردودية وفي الجملة لم يتعد المردود المتوسط لاستثمارات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 3% “[xii].وقد نصح المخطط لحفظ توازن الضمان الاجتماعي بإجراءات طويلة المدى، وذلك "بجملة من الإجراءات التعديلية أهمّها تحسين طرق توظيف الفوائض المالية للضمان الاجتماعي عن طريق التخلي التدريجي عن السكن الذي يساهم في التخفيض من نسبة مردود الاستثمارات وبالمقابل تدعيم القروض السكنية لفائدة المضمونين الاجتماعيين التي كانت نسبة فائضها تبلغ 8,25% [xiii] .
 والى جانب الانشغال بحفظ التوازنات الداخلية نجد ان المخطط مشغول  بنجاعة الاستثمار  في أموال الضمان الاجتماعي التي وظفت في مجال الإسكان (في البناء والتأجير بأثمان لا تتماشى وأسعار السوق خصوصا الموجهة لمنظوري  القطاع العمومي) لذلك فإن أحد وجوه قراءة سياسة القرض  لا يجب ان تنفصل عن سياسة الإسكان الاجتماعي، إذ  إن السياسة السكانية قد شهدت في مرحلة الإصلاح الهيكلي  تعديلات جوهرية تعلقت بتنظيم الشان العقاري وسياسة الإسكان عامة [xiv] ،  ويمكن إجمال هذه التعديلات في ما يلي ׃
أولا: وضع  القانون عدد 17 لسنة 90 المؤرخ في 26 فيفري 1990 و المعدل بالقانون عدد 71  لسنة 91 المؤرخ في 2 أوت 1991 و المتعلق   بالتطوير العقاري وقد حدد هذا القانون سياسة إسكان جديدة تعطي دورا مركزيا للفاعلين الخواص ( الباعثين العقاريين أو المقاولين ) بما فيهم غير التونسيين في إعداد الأراضي الصالحة للبناء كما تمكنهم من بناء وتسويق منازل معدة للسكن ، كما يمكن في نفس السياق الإشارة إلى إنشاء وزارة أملاك الدولة التي صارت في السنة الموالية وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية .
ثانيا :  تحويل الصندوق"القومي" للادخار السكني إلى بنك إسكان وذلك سنة 1989 " ليحول القرض السكني إلى حقل تجاري وان بشروط مخففة عن بقية البنوك التجارية .
ويمكن القول ان هذه  السياسة تشكل تراجعا  عن دعم السكن الاجتماعي بما يضع حدا لشعار- طموح  حكم سياسة الإسكان  طيلة العقود الماضية ،يعلن  تحقيق مسكن لكل مواطن وقد جعلت السياسة الجديدة الدولة فاعلا في الميدان من ضمن فاعلين، و حجمت  الأولويات التي كانت تحظى بها المؤسسات العمومية العاملة في ميدان الإسكان كالوكالة العقارية للسكني A.F.H.) ) والشركة العقارية للبلاد التونسية (  S.N.I.T. ) وهذه السياسة الجديدة جعلت السكن الاجتماعي يتراجع كأولوية  إذ  انه في الوقت الذي كان حجم الطلب على السكن الاجتماعي يزداد صارت طرق تمويله اقل قدرة على الاستجابة إذ انه بمنطق السوق اتجه الباعث العقاري الخاص إلى فئة السكان القادرين على الدفع(les solvables   ) وقد انعكس ذلك  سريعا على أثمان الأراضي المعدة للبناء
حيث أن الاتجاه الغالب لدى السكان هو اقتناء المسكن الخاص واجتناب السكن المشترك ” العمودي غالبا “ مما رفع الطلب على هذه الأراضي التي تزداد ندرة خاصة في العاصمة بعد تحديد الدولة للملك العمومي [xv].
أن سياسة الإسكان في التسعينيات القائمة على تأهيل سوق الإسكان بتخلي الدولة أدى إلى وضع السكان أمام صعوبات يومية في الحصول على الأراضي الصالحة للبناء وفي اقتناء  المسكن الجاهز حيث توزع التمويلات بحسب القدرة على الدفع.” وقد أثمر ذلك عودة إلى السكن العائلي بالبناء فوق منزل الأب عادة أو الأصهار و هو ما يمكن دراسته من زاوية التأثير على سلوك العائلة والأفراد واحتمالات الارتكاس إلى المجتمع الأبوي[xvi]، وهو ليس موضوع هذا العمل .
 
ب :اتجاه الإضافات القانونية للتسعينات .
 في الإطار الاقتصادي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي