«ما أكثر النّساء وما أقلّ الحبّ …»
مقطع من رواية لم تكتمل بعد للروائي التونسي
نور الدين العلوي
عنوانها المؤقت
الرهينة رقم 4232.5
أجلس وحدي بلا امرأة أرتب أفكاري أضع عليها علامات أضع العلامات في ملفات وأضع الملفات في علب جديدة، وأختم عليها ثم أضعها على رفوف أو أشحنها في أقراص وأضع الأقراص في علب أصغر وأحفظها من الغبار ثم أنظر بقية الأفكار…كل الفوضى وكل الاضطراب
هل عرفنا النساء؟ هل حرّرنا النساء؟ هل تحرّرنا من النساء؟ هل تتحرّر النساء؟ من يستعبد الآخر؟
وأضل أدور في أسئلتي …أين المرأة؟ أين جسدها؟أين أنفاسها؟ أين حديثها؟ أين رائحة إبطيها العطرين بالطبيعة الفوارة ؟ أين شعرها المنساب فوق وجهي ويديها خلف عنقي ورأسي على كتفها؟ أين أضع هذه الفكرة وكل علب الأفكار مليئة بصور النساء أمام المحال التجارية …
…اطرح ما شئت من الأسئلة …فلا مخرج إلا بالحقيقة وهل من حقيقة في النساء يستقر لنا فيها المقام …؟
ألسنا نخوض في حديث النساء أحيانا كثيرة … أ لسنا لا نصل إلا إلى ما صنعنا من الصور … فلماذا ندخل الحديث عنهن بأحجار في أيدينا ثم نستطيب الانحناء …
ثمة امرأة ليست من النساء ولم تلتقها إلا في الحديث العابر… فأعلن يأسك منها قبل الحديث .فقد تكون قد قلت مثلي لامرأة مرت قريبا « نام المغرمون باللحم الحلال فهيا .. رأسي بين نهديك يذوب فاحلبيني أسيل عسلا من حلمتيك الوردتين…» فنامت. وبقيت وحدي (ك) نحسب النجوم فلا نراها… فقد كانت تنتظر زوجا نافقا …
توقف عن فضح العجز الذي تجد … فالحديث بلاء والنساء بلاء مقيم في الضلوع …وفي الحديث…
قل في مفتتح الحديث ما أكثر النساء وما أقل الحب معظلة المحبين القدامى تستعاد في كل العصور لحم كثير… أما الحب فانتظر خطأ الأيام ستسمح به ولو بعد حين لتستخرج من اللحم الكثيف نواة امرأة جميلة.
سلّم مثلي للمجلة التي أسقطت آية وأخذت مكان الكتاب. لقد أسقطت رؤوسا ورفعت أخرى وأقامت أحزابا وحلت أخرى و صمدت وحدها وارتقت فوق القوانين جميعها. يعلقها السادة نيشانا عندما يستبدلون أموال النفط بالقروض الأجنبية ثم يضعونها على الرفوف إذا اعتمروا، ويشهرونها على طائرة الخطوط الفرنسية ويصلحون بها الحديث في زمان كوندليسا .
ليس في النساء قول فصل ولكن … هذه رؤية اللحظة وقد نكبر فنعقل فنغيرها بعد أن يكبر الأولاد ويعرفون نساء أخريات ثم يقرؤون ترهات الآباء الذين يزعمون القول في النساء في عصر المجلة .
مشينا طويلا …نمشي بعد … وراء امرأة لا نعرفها نتوهمها نعطيها الوقت الذي تريد لتعرب عن نفسها فتهرب إلى غموض فاضح تخفي أفكارا بسيطة حول الحياة نتبعها نزولا إلى تفاهات كل يوم نقف خلفها أمام واجهات المحال تقيس الملابس الجديدة وتحكم على الألوان وتربط بين الألوان والمقاسات ونصبر حتى تقيس ثم نقف أمام محال جديدة وننتظر تلك هي… واحدة تعرب عن جمع ولا اختلاف إلا في المقاسات .
نصل نهاية الوهم بالاختلاف ولا نعود إلى الحقيقة حيث نحن بامرأة واحدة وبدون نساء… كنا فحولا نتناطح. تدخل امرأة حيث نحن يهدأ الصراع قليلا نتحول إلى تيوس مهذبين نمشط لحانا بأطراف أصابعنا وننتظر أن ترضى عن بعضنا أو عن جميعنا أو أن تغضب قليلا وتظل بيننا نراها ونستأنس إذا لم تأت نجيء بها لنختصم حولها نتناطح كالكباش أحدنا فقط يفوز بها قوة القرن أو قوة العين… يعود البقية خائبين إلى البحث عن امرأة أخرى نساء أخر؟ لما لا يمكن الاستمرار بدونها… هي ضعفنا وقوتنا فمن لنا بها كي نضع أنوفنا في وحل مداسها الجميل ؟
وكم قمنا…وقد نقوم بعد بعملية عسكرية نتدرب على العيش بدون نساء نصاب بالإحباط تختلط الاتجاهات فنذهب إلى البحر في الشتاء ونعتقد أن الموج يحمل الرسائل ولكنه ينكسرعلى الشط ويذهب مليئا بالاحتقار، نذهب إلى الواحة تحت النخيل الوارف أو تحت الزيتون الصامد للعناصر ،نمسك الجذوع ونعتصر الدموع ثم نكتب على الجذوع الخشبية أسماءنا وأسماء أخرى ونجعلها ملغزة لا يفهمها إلا الذي نريد فلا يقرأها إلا العابرون فلا يصل البريد ، نعاود العملية العسكرية نفسها ولا نصل إلا إلى معنى وحيد نحن بلا نساء إذن نحن بلا معنى هل هذا هو «الكوجيتو ؟» إنه المعنى الذي تعطيه النساء للحياة …
الآن أزف السؤال الأخير… هل نعرف الحب مرة واحدة وأخيرة ونرتاح … حالة التبعية التي تجعل الرجل يقدم نفسه لامرأة تفعل به ما تشاء تركبه أو تضع عليه برذعة أو تركعه أو تصلي له لا فرق إذ يكونان متفقين على تبادل العطاء… تبادل المعنى.
متى تصادفنا هذه الحالة العجيبة ؟ نتعزى بأن كل العمر مفتوح على مثل هذا الاحتمال شرط أن لا نغطس في الواجب اليومي فننسى وننغلق على الاحتمال المتاح سعداء بالأبوة والمصاريف حيث لا يكون الحب وتكون الألفة الممزوجة بالاحترام …
يكون الآن من الأمر ما يكون، وننخرط في السيستم تلك هي النهاية المرتقبة لن تأتي سيكون حراما أن نكسر الباب ونهرب إليها ونحن في زنزانة الألفة الجميلة …
*****
وحين يطول عليّ الليل في كهف وحدتي المبتغاة أقول …علي اختراع لفظ خاص من داخل الألفة الجميلة يستعيض عن الحب بالفحولة ثم بعد حين يعبر عن تحول الرجل إلى تيس عجوز له من الذكورة خصيتان كبيرتان وبقايا صنان لا يلين وحنين جارف إلى زمن الجديان الصغار… ليس في اللغة هذا الاحتمال ولو بالعودة إلى اللسان العربي فلا تيس إلا بالنبيب أما إذا كفّ الفحول عن الفحولة فالمسالخ والكلاب …سيقول التيس وقد صار حطاما «رطليهم يا خدوجة » فقد ذهب زمان الوصل بالأندلس وببعض البلاد العربية فنحن ننسى يا أم البنين أن الفحولة لا تكون في زمان كوندليسا … وسيتعزّى التيس العجوز «هل بالذكورة وحدها نبني البلاد ونقنع القوم بأنا حاضرون على الخريطة؟» الحمد الله الذي جعل خصيّ الخصيان أخفّ وزنا .. في أكفّنا … لكنّا رغم ذلك نفيق على أكتافنا منهدّة وشواربنا مرخّية ونساؤنا يبكين الرجال … أيها الوقت الذي يترك مروره على الكتفين أعفيني قليلا لعل الحبّ أن يأتي قليلا … إني استسقي الحب ولي شجاعة من لم يركب جموح الخيل بعد … ويتوهم أن الخصاء فردي في زمان كوندليسا ليقتدر على الألفة والمصاريف …
يا صاحبي يا حامل الأسرار الأرضية … لا فحولة إلا بالأرطال من الخصي… والوقت لم يعد يكفينا للصراخ .. . غدا نشارك في الدوام … ليستمر السيستم . بلا فحولة و لا حب … واجهات جميلة وملابس بمقاسات مختلفة ونساء يقفن سعيدات ورجال يحرّرن صكوك الصرف … ولا تعلّمني التصريف .
ثم تعض باطن كفك من جديد…
… تلك الشهوة المتولدة من الحب والحب الذي تسعره الشهوة وإن لم تلب ، هي ذي موسيقى الأيام الجميلة أو الموسيقى الجميلة التي تجعل الأيام أجمل مما تتوقع الأيام أو مما أرادت لك … لا معنى إلا بالأنثى المحبة لكن أين هي … ما أكثر النساء وما أقل الحب …
كيف يمكن أن تدخل في موضوعة النساء دون أن تعري عجزك الفاضح … تدبر معي مثلا كيف يمكن لامرأة أن تفتت فحولة رجل ولا تخصيه، وانظر معي كيف يصير التيس رجلا فلا ينزو إلا على أنثى واحدة ولا ينب نبيبا . قل مثلا معزيا ولا تبك …«إن الكم غير مهم وأن النّوع عوض خير»أو قل «إن الغذاء في مطاعم الجمهورية قد تكفل بالأنسنة » ، قل ما تشاء ولكنك لن تصل إلى فهم اللحظة التي تضع تيوستك في ماء فاتر فتطمئن إلى أنثى عبرت سماء أيامك المتشابهة فتظاهرت بالبكاء على صدرها تزعم الشوق وقد تمر على ديارها تبكي لتوهم نفسك بالقدرة على الحب الجميل وادعاء الخيبة المبدعة .
ولا تتذكر …
تلك التي لقيتها يوما وقد كانت ابتسامتها كمزقة في السماء يظهر وجه الله خلفها …متجليا
وتلك التي لما أنزلت فستانها الأحمر في الممر الفاصل بين الغرفتين نزلت ذكورتك انبهارا وبقي أمامك أن تهرب أو أن تبكي عجزا… وعدت في الليل على يدك توسعها …
وتلك التي تعرت فلم تر اختلافا بين جلدها والزرابي القديمة …
وتلك التي … كم مرت بين يديك لست تحسب. لست إلا واحدا من كثيرين يزعمون في النساء علما وما أنت إلا جاهل يتعلم …
وأخرى رأيتها لا تختلف عن أحلامك قلت عنها … كلاما جميلا على أمل البقاء بقربها لكنها انصرفت إلى الزوج الذي قد يأتي تعد له قميصا وسروا يل جديدة وتنام في الليل تنتظر الغيوم أن تحمل إليها ذكرا يجمع القش لعش قد يدوم . وقد تتحجب كآخر محاولة للزواج …
تلك هي أو كأنها … أنت أبدا في حلمك السادر لن تصل أبدا حتى تنتهي النساء … فمجّد ما تجد عسى تصل إلى ما تريد … سنة العجزة في بلاد العجزة المحكومة بالجواري يعرفن في التنمية المستديمة ويخطبن في المجالس ويخطئن في النحو قليلا … فكاتب الخطاب ذكر يعرف النحو فيشمت في الخطيبة فيتعمّد ألاّ يشكل أواخر الكلمات … اصنع وهمك لتستمر به أما الحقيقة فقاتلة … صورها كمنتصرة عليك … لتصنع وهم الحب ففي الحب بعض من هزيمة لذيذة للدموع …
لا تنظر إليها تقرأ قليلا وتكتب أقل قل إنها تحسّ ويظهر في عينيها الدّمع قل معزّيا ما ضرّ لو كانت غائبة وقلبها يرى ؟ لكنك تفهمها فتشفق … فتتعزى بها عن مثالك مصرا على قهر الخيبة بالوهم .
تراها… تقبل…تتراجع… تخاف، تعبر بعينيها، يخرج كلام كثير إلى العينين تقرأه. لها الحق أنت لها في أحسن الأحوال بالنصف في ظاهر القول وبالنصف لنفسك فكيف تفهمها أن جمع النصفين والأرباع الأربعة لها بالنهاية مقابل أمل بالبقاء قليلا حول فنجان من القهوة المرة في مكان مطل على البحر …لكنك تمعن في قهر قلبك بالصورة فتجعل عينيها جميلتين دون كحل أومسخرة مفتوحتين بفكرة أولى لم تصل ككذبة طفل يتعلم النطق الفصيح جميلتان كالتمني، كالرجاء، كاللقاء الأول تحت صفصافة ناشئة، كحلمة طفلة في العاشرة تحلم في الليل بقلبها وتخاف …فتحمر … لم تره مستديرا قاسيا وله حدود تتضح بعد خمس … نهد بعد اللمسة الأولى والعبارات على الفم هل تعضه …. ليس بعد حتى تؤوب إلى رشدها وتعري … لن تفعل … لا تنتظر… محكومة بالكلام القديم الذي يحفظ قبل أن ينطق وتظل تدور حول الزاوية المستديرة ترسم خطا وتعيد توضيحه…«إني أخاف أن أسقط،وأخاف أن أصعد، وأخاف أن أظل مكاني، وأخاف أن يفهم الآخرون أنني اشتهي أن أكون،وأخاف أن لا يفهم أحد أنني اشتهي أن أكون، وأخاف أن أفهم أني انتهيت سريعا قبل أن يستقيم لي الأمر حتى أكون. هو أنا أيها الذي يعرف كيف يزن الكلام ويخرج رابحا من حسبة الرجل القديم. فكيف أحسبها دون علمك وكيف أجعلك في الحسبة دائما دون أن … ستجد العبارات لتقول لي دائما إنها اللغة نخفي بها ما نريد … فلا تحرج ما تبقى من حمرة خدي إنني أخجل بعد أن تفهم إنني أشتهيك … فافعل ولا تفعل وأكذب علي حتى اللحظة الفاتحة، حتى فك المغالق التي ادخرت لك قبل أن تنبت لك شعرة واحدة … هي أنا… لو غيرتني انكسرت صورتي الباهتة، التي نيفت بها على الثلاثين … ونمت بها في الليالي وحيدة … أضع مخدتي فوق رأسي … وأتمنى لو أنني في خيمة واسعة لكي لا أسمع فحيح جارتنا خلف الياجورة الباردة يقلّبها فحلها وقد نام الصغار».
هي ذي …إنها في كل مكان ونحن نصادفها في الحديث ونضحك منها ومنا فهي صناعتنا نحن الذين صنفنا النساء إلى زوجات كرام و عاهرات ، نتدرب على واحدة لنحكم الأخرى ونبكي على الحب الذي لا نجد لأن الرفيقة مسطحة الفكر، ثم نخلص مسرعين إلى الجماع المتاح
لا تظنن ما نجد الحبّ بل سيرة عشاق مستعادة من زمن كان فيها الحب لا يعني المفاخذة والقذف .
****
المراة التي نراها كل يوم تزعج العين و المرأة التي ننتظر لا يجب أن تأتي حتى تظل صورة فوق ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ