حبة الكرز الاخيرة …
كتبهانور الدين العلوي ، في 7 أغسطس 2008 الساعة: 00:49 ص
حبة الكرز الأخيرة…
كانت الحبة الأخيرة على صحن البلور القديم . كان الصحن نظيفا وسليما به خدوش بينة من كثرة التنظيف. مرت حبات الكرز واحدة اثر أخرى كان لبعضها طعم لذيذ لا ينسى وكان لبعضها طعم كلا طعم . لكنها مرت وبقي الصحن نظيفا بخدوش بسيطة لا ترى من بعيد. كانت حبة الكرز الأخيرة قد وصلت متأخرة. وكانت في الصحن وحدها أو تكاد.
من وضعها هناك؟ يبدو هذا السؤال غير ذي فائدة إنها هناك بكل وضوح حبة كرز وحيدة في صحن نظيف و به بعض الخدوش التي لا ترى من بعيد.
كان الرجل العجوز يرى حبة الكرز الأخيرة ويتمنى أن يمسك منها بعضها أو كلها ويقربها من مكان عزيز عليه كان يقول أن حب الملوك يفيد القلوب المتعبة وكان قلبه يخفق خفقانا غير منتظم قالت له عجوز كبيرة عندما كان صغيرا يا ولدي عليك بحب الملوك ففيه للقلوب دواء لا يصفه أطباء المدارس. مر زمن طويل على تلك النصيحة ونسيها الرجل الذي صار قديما. لم يتجعد كحبة زبيب جافة ولكن تقادم به الوقت فصار قديما. وكانت حبة الكرز شابة لا تضاهي في البريق الأحمر الشفاف. كان احمر الشفاه على شفتها اقل حمرة من حبة الكرز اللامعة تحت ضوء النافدة الوحيدة المفتوحة في مطبخ الأيام. لكن الرجل العجوز لم يكن يحب احمر الشفاه فقد كان يميل إلى تقبيل طرف الفم حيث لا يريد أن يحس لزوجة احمر الشفاه.كان يفضل لون الكرز على أي حمرة أخرى بما في ذلك نبيذ بوردو الشهير. لكنه كان كبر ودب اليأس في خشب بنائه العتيق وكان يسمع في ليل وحدته سوسا ينخر في بعض الفروع فيقوم في الفجر القريب من الصبح يلتمس مضادات الالتهاب.
اقترب من الحبة و لمس طرفها القصي كانت حبة بلا أطراف قصية كانت حبة كرز صغيرة ولها انف صغير و عينان كبيرتان وابتسامة كبعض ساعة من فجر صيفي معافى على جبل يمر السحاب من حوله فينظفه فلا تشوبه شائبة من خريف.
قال لها كم أود أن أكون قريبا لأراك. وجذب نفسا عميقا فتوهجت.
واستسلم مغمض العينين يداعب حبة الكرز الأخيرة في غرفة تنغلق بهدوء ويتحرك بابها من تلقاء نفسه أو بهبة من نسيم.
كان يجالسها لأول مرة تحت شجرة وارفة والقهوة تضوع. هلا سرت معي خطوتين؟ إلى قمة الجبل القريب . قالت كالساهمة كأن القرار لا يعنيها نذهب ثم تساءلت كأنها لا تكلمه لم لا نذهب ؟ أحس نصف إجابة نصف استجابة وقال حبة كرز باهتة أو غير ذات طعم أو تدّعي حلاوة لا تطال لكنها عادت وقالت نذهب حيث تريد وكان الحماس جليا. قال لدي لك ماء وورد كثير ومزهرية من خزف صقيل مزدانة بأجنحة فراش.
قالت لدي لك ماء كثير وزهر بلا مزهرية. قال التقينا نضع زهرينا في مزهرية من خزف ونحفظ جسد المزهرية من غضب الورد إذ اختصم في الوعاء.
كان يخاف من خصام الورد و كان يحب الشوك في الورد و كان يقول لولا الشوك لصار الورد علفا للبهائم ولحط عليه الذباب. وكان يذكر أيام الصبا والشباب حين كان الورد وسيطه للكرز. آه يا أيام الصبا والشباب قبل نضوب الكرز من الصحن القديم وقبل صياح المفاصل في اقتراب الفجر.
قال لها هيا بنا وسارا خطوة أولى ثم وقفت لا تحير . لم يفهم سر التسمر بعد الخروج . قال لعلها خافت من طول الطريق فقال جملا تفيد بما يؤنس الوحشة و الطريق الطويل. كانت تنظر قريبا وبعيدا وتقول جملا متقطعة كأنها تريد ولا تريد أو كأنها تخاف وتطمئن أو تخاف و تبحث عن متكئ لا يطرح الأسئلة عن مرور الكرز في صحون لا تليق. لم يطرح الأسئلة قال لكل شيء سبب. ولكل معلول عند أهل المنطق علة تدعوه. مالت إليه فرأى اتساع العينين فوق الأنف الصغير ألكرزي ورأى الابتسامة الخائفة قال خائفة قالت نعم ولا إنما إنا لا ادري ما أقول فأنت غسلت صحونا كثيرة وقد لا استطيع أن ثم غيرت سياق الحديث عن الطقس والمطر القادم وخفق البرق في سحب تدلهم في الأفق الأبعد. فسايرها قليلا فالأفق أرحب من لحظة تعبر في الحديث. وهو يريد حبة الكرز لما بعد نزول الشتاء القريب. قال ننظر للأمام قليلا فرب يوم مر بنا لا نراه فلا نرى ما بعده إلا خسرانا مبينا.قالت نعم لعل في ما تقول صواب لا يرد. قالت الوقت ينضج العنب في أوانه. فهم فساق الحديث إلى شجر العنب الذي يتدلي من قصر قديم وقال كان الكرز قريبا من العنب لكنه قرر الانفصال محبة في القلة الباهرة فنظرت حيث يرى كان العنقود كبيرا والحب يتزاحم فوق الغصن الذي يتثني من شقاء الحمولة.فقالت الشبه ظاهر في لون الحب ولكن … فقال الكرز ينضج كل حبتين معا . فشدت على يده ورد جبينها لمعة البرق. كان البرق في عينيها يتشهى المطر. سار معا صامتين وكان قلبه الراغب يرد البرد عن قلبه الخائف أن يكون البرد قد فتت روحه التي كانت تسهل على الكرز الدخول في صحنه الذي ليس عليه خدوش. على باب بيتها قالت نلتقي قبل نضوب الكرز . فقبل وجنتها الأقرب وقال سينزل المطر على طرق وحواري ويغسل بعض ما ترك الأولون من الأثر الباهت على شقوق المشاعر. قالت نعم فرب سير ترك أثرا على السائر ولم يخدش أسفلت الطريق .
في أول المطر غسل وجهه ثم انزوى حتى سار السحاب على الطريق فسار ناظرا إلى قش يساق إلى حتفه في حفرة قذرة . قبل أن يسوقه ماء قدره إلى حفر في الطريق سيقبل حبة الكرز الأخيرة. ودخن فرأى قلبه الراغب يستجيب . لما هم بالنوم قالت له هل بللك المطر قال لقد اغتسلت من درن كثير. قالت احتاج مطرا أقوى لاغتسل .قال اعرف عيونا في جبل القلب تنضح بالماء النمير فهلا سمحت لي بان اغسل قدميك هناك . ستعرفين الطريق إلى جنة الكرز قالت سنذهب فلا تحثني أكثر إنما تشدني إلى الأرض خطوات سرتها للوراء ولا أجد الطريق إلى الأمام فلا إمام إلا من يذكرني بالوراء.
قال غدا نلتقي ..قالت غدا نلتقي.
لما انحرف الضوء عن النافذة نظر في الصحن الذي كانت به خدوش قديمة فوقها حبة كرز لا تضاهي. كانت الخدوش قد أمحت وكانت حبة الكرز قد تلاشت.أفاق. كانت سيجارته تنطفئ ولم يكن من حبة كرز إنما جمرة التبغ تلمع في طرف المرمدة كلما هبت من النافذة نسمة . كان البرد يفتت روحه في ليل الشتاء ولا كرز في صحن العجوز الوحيد. غدا نلتقي في مقهى المتقاعدين ونذكر العنب الذي زين يوما صحن أيامنا الباهرات.
( نور الدين العلوي روائي من تونس)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























