مقالاتي العلمية

كتبهانور الدين العلوي ، في 14 مارس 2006 الساعة: 21:36 م

 القرض الاجتماعي و التنمية الاجتماعية
 نور الدين العلوي
استاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
توطئة :  
 كيف السبيل إلى الحصول على قرض من مؤسسة الضمان الاجتماعي ؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه اغلب الناس والموظفين منهم خاصة على العاملين في أحد الصناديق الاجتماعية ، لقد آذنت صورة ”دار الأولاد“ وهو اسم التودد الذي أطلقه الجيل الأول من المضمونين الاجتماعيين على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالأفول   وان لم تحل محله تسمية جديدة إلا ان مؤسسة الضمان الاجتماعي صارت مؤسّسة  ”مختصة “في تقديم قروض اقتناء السيارات "الشعبية" وأخرى  لبناء المساكن.  ان الصورة الجديدة هي صورة  البنك الاجتماعي الذي يتسابق الجميع للنهل منه ويراجعون حياتهم المهنية ويحرصون على الاستقرار المهني والتمسك بمواقع عملهم  إذ إن ذلك هو الشرط الموضوعي لاستحقاق القروض الاجتماعية [i].
ونحاول فيما يلي تتبع نشأة القرض الاجتماعي وتطوره التاريخي ضمن منافع الضمان الاجتماعي (1) والبحث في التعديلات التي عرفها في عقد التسعينات خاصة (2) وذلك سعيا للإجابة عن سؤال دقيق هل تدل هذه المنفعة التي نشأت ضمن مشروع اقتصادي ليبرالي و تطورت في سياق مشروع الإصلاح الهيكلي للاقتصاد، يجعل الاجتماعي لاحقا للنجاعة الاقتصادية على اتجاه معين في السياسة الاجتماعية التي تعلن الانهمام بالتنمية الاجتماعية أم أنها تكشف - تخفي الصراع الاجتماعي المتسربل بالقانون حول الموقع الاجتماعي (3) ؟
 
1         نشأة القرض الاجتماعي وتطوره .
نعني  بالإقراض الاجتماعي هنا ، كل أصناف القروض المالية التي تسلمها مؤسسة الضمان الاجتماعي بصفة أساسية لمنخرطيها( المضمونون الاجتماعيون بمختلف أصناف الانخراط أو الأنظمة الضمانية التي تديرها يستوي في ذلك منظورو القطاع العام والخاص) والقروض التي تسلمها مؤسسة الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص( الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المؤسس بمقتضى القانون عدد 30 لسنة 60 المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 ) للمؤسسات الاقتصادية الخاضعة لأنظمة الضمان الاجتماعي التي تديرها . 
و لمتابعة النشأة والتطور التاريخي للقرض الاجتماعي فانه يستقيم منهجيا ان نمسك أولا من نقطة البداية أو النشأة القانونية لهذه المنفعة ضمن حقل الضمان الاجتماعي ثم نتابع ثانيا مختلف الاحداثات القانونية التي يمكن اعتبارها تراكما تاريخيا في نفس السياق والذي ينقسم إلى مرحلتين هامتين هما ما قبل سنة 1988 (وهي السنة الفعلية لانطلاق الإصلاح الهيكلي بصفة عملية) و ما بعدها .
أ- التأسيس القانوني للإقراض الاجتماعي   .
يمكن العودة بالأساس القانوني للإقراض الاجتماعي إلى الأمر عدد54 لسنة 76 المؤرخ في 23 جانفي 1976 الذي يخوّل للصندوق ”القومي“ للتقاعد والحيطة الاجتماعية أن يمنح لمنخرطيه من منظوري القطاع العام   قروضا موجّهة لبناء مساكن أو اقتنائها. وكذلك تقديم قروض محدودة للاستهلاك المباشر. ومنذ تأسيس هذا التقليد في القطاع العام "نظر إليه كمنفعة وامتياز لمنخرطي هذه المؤسسة من موظفي القطاع العمومي خصوصا إذا أخذت بعين الاعتبار الفائدة الموظفة عليها مقارنة بالفائدة في البنوك التجارية.فإذا أضفنا إلى إمكان الحصول على قرض للسكن والقرض الشخصي وهي التسمية للقروض الصغيرة أو المحدودة السقف، قروض الحصول على سيارة خاصة للتنقل فإن الرغبة في تعميم هذا الامتياز تصبح مطلبا عاما" [ii].  والمطلب العام المقصود هو ان تعمم هذه المنفعة على غير منظوري القطاع العام الذين ينخرطون في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحيث يتساوى جميع المضمونين الاجتماعيين بقطع النظر عن قطاع النشاط[iii] .
وقد حصلت استجابة فعلية لهذا المطلب[iv] إذ صدر الأمر  عدد 1371 لسنة 81 المؤرخ في 26 أكتوبر 1981 ليمكن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من تقديم أنواع ثلاثة من القروض لمضمونيه اعتمادا على تعديل جوهري طال القانون عدد 30 لسنة 60 والذي أسس ونظم الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص بعد الاستقلال من خلال مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، ونعني به التعديل الصادر بالقانون عدد 5  لسنة 81 المؤرخ في 12 فيفري 1981، ثمّ جاء الأمر عدد 383 لسنة 86 المؤرخ في 22 مارس 1986 المتعلّق بمنح قروض سكنية من طرف صناديق الضمان الاجتماعي ليكمل هذا البناء التشريعي . وسنعرض إلى هذين النصين بشيء من التفصيل لنفهم كيف اندرجت   ضمن  الإطار العام لقوانين الضمان الاجتماعي.
* القانون عدد 5  لسنة 1981 المؤرخ في 12 فيفري 1981.
 حمل هذا القانون جملة من التعديلات الجوهرية التي مست فصولا كثيرة من القانون عدد30 لسنة 60 يتعلّق الجزء الأكثر منها بالمنافع الاجتماعية المتفق عليها ، غير أن ما يهم في هذا السياق  هو إضافة الفصل 24 مكرر الذي أحدث بمقتضاه ”صندوق مال خاص يقع تمويله بمساهمات ترفع من احتياطي أنظمة الضمان الاجتماعي التي يديرها الصندوق الوطني  بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ويهدف هذا الصندوق إلى النهوض بعمل اقتصادي واجتماعي لفائدة العملة وذلك بإسناد قروض، ويضبط تنظيم هذا الصندوق وكذلك تمويله وأساليب تدخّله في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي بأمر وهو الأمر عدد1371 لسنة 81 “،والملاحظة التي يمكن أن نسوقها هنا هي:   أن القروض صيغت ضمن النهوض بعمل اقتصادي واجتماعي يعود بالنفع على العملة دون تحديد طبيعته أو مبلغه أو حدوده [v]إذ سار النص على الإطلاق لا على التحديد وهو ما تكفل به النص التطبيقي اللاحق أي الأمر عدد 1371  لسنة 1981 المؤرخ في 26-10-1981و  المتعلّق بإسناد قروض من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، واكتفى  المشرع في المراحل اللاحقة بإدخال تعديلات على النصوص التطبيقية مبقيا على المبدأ المنصوص عليه بالفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60 وقد تضمن ثلاثة عناوين  للإقراض هي قرض السكن والقرض الشخصي وقرض المؤسسة .
·       قروض السكن : جعل الإقراض من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعنوان السكن مكملا لعملية الادخار لدي الصندوق القومي للادخار السكني أو من صندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء وذلك لإتمام عمليات تحسين السكن أو إتمام تمويل أو اقتناء ارض صالحة للبناء ،ضمن شروط فنية تتعلق بتوفر أقدمية من سنوات المساهمة و الأجر بما يسمح بالاستخلاص دون الإضرار بالقدرة الحيوية للمضمون الاجتماعي، و سيظل هذا الطابع التكميلي ملازما لهذا الصنف من القروض مما يعطيها باستمرار طابعا محدودا فلا يمكن الاكتفاء بها وحدها . أما بخصوص التصرف فقد صيغت القروض ضمن رصيد أو صندوق (Fond) أي محاسبة مستقلة تمول من مساهمة سنوية يدفعها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق التامين على الشيخوخة [vi]كما يمول من عائدات القروض والمبالغ المستعادة ومحصول الإيداع الاستثماري .
·        القروض الشخصية : هي قروض تمنح بنفس شروط قروض السكن من حيث أقدمية المساهمة مع تقدير الأجور الأدنى أما غايتها فتمكين المضمون الاجتماعي من اقتناء تجهيزات أو مجابهة مصاريف استهلاك وتمنح بكفالة المؤجر بفائدة 4 بالمائة . وهي كما يظهر من تحديد مجالاتها قروض وضعت للرفع من القدرة الاستهلاكية للمضمون الاجتماعي وبالتبعية للرفع من الاستهلاك عامة . 
·        قروض المؤسسة : هي قروض تمنح للمؤسسة الاقتصادية غير العمومية وليس للمضمون الاجتماعي من اجل غاية بدت جديدة في حينها ومختلفة عن كل منافع الضمان الاجتماعي إذ تقدم للمؤسسة الاقتصادية التي هي الممول الرئيسي ( بحسب النسبة المأوية للمساهمة ) لمنافع الضمان الاجتماعي وذلك لتمويل مشاريع اجتماعية لفائدة العملة دون تحديد دقيق لطبيعة هذه المنافع لكن على أساس دراسة فنية تشارك فيها لجنة المؤسسة أو اللجنة المتناصفة وتوظف على هذا الصنف من القروض فائدة قدرها خمسة بالمائة وتسترجع في اجل سبع سنوات .
يتجلى من خلال النصوص التاسيسية ان القروض الاجتماعية اتجهت بالأساس إلى المضمون الاجتماعي كما أنها اتجهت غالبا إلى منافع وان بدت كمالية إلا إنها ذات طابع اجتماعي بحت هي بناء المسكن أو اقتناء الحاجات الاستهلاكية كما أنها تشجع المؤسسة الاقتصادية على دعم العمل الاجتماعي من خلال تشريكها في ضمان القرض . فهي ليست قروض استثمار اقتصادي بل قروض تنمية اجتماعية بالأساس وهي بذلك منسجمة مع مقتضيات الفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60 . وإذا كان السؤال عن جدوى إحداث هذه القروض غير ذي معنى فانه يمكن السؤال عن الإمكانات المادية التي سمحت بها والغايات السياسية التي قد تكون وراء إحداثها
 
ب : المرحلة الأولى من تطوير القرض الاجتماعي.
 إن تنظيم القروض الاجتماعية لم يتوقف عند الأمر المذكور بل تم تطوير هذا التراث القانوني بإلغاء الأمر عدد 1371 لسنة 81 وتعويضه  بالأمر عدد 383  لسنة 86 المؤرخ في 22-3-1986 .وقد اتجه الأمر الجديد إلى حصر الإقراض في مجال السكن فقط ووسع الحق لغير الأجراء مما فتح إمكانية الاقتراض للعملة غير الأجراء أو المستقلين   غير انه في المقابل حصر الحق فيمن كوّن من هؤلاء رصيدا مدخرا لدي الصندوق القومي للادخار السكني  (CNEL) .ان المقارنة بين أحكام النصين القانونيين تسمح باستخراج جملة من الملاحظات التي تدعو إلى طرح جملة من الأسئلة و أهم هذه الملاحظات :
-          اتجهالمشرّع في النصّ الترتيبي الأوّل إلى تنويع مجالات القروض  بحسب ما يرى من مجالات تنمية اجتماعية للفرد فسهل الحصول على القروض بثلاثة أبواب هي السكن والقرض الشخصي للأفراد والقرض الاجتماعي-الاقتصادي لفائدة المؤسسة في حين حصر هذا الحق في الأمر الثاني في مجال قرض السكن فقط .
-        اتجه المشرّع في النص الأوّل لمنح هذه القروض لجميع العملة ( المضمونين الاجتماعيين ) في حين خصصها بالأمر الثاني للمنخرطين في صندوق الادخار السكني دون سواهم مما يحد من عدد المستفيدين.
-        اكتفى في النص الأوّل بتحديد ثلاث سنوات أقدمية انخراط كشرط استحقاق في حين رفعها في الأمر الثاني إلى خمس سنوات كاملة.
-        حدد النص الأوّل سقف القرض السكني عند ألفي دينار في حين رفعه في الأمر الثاني إلى خمسة آلاف دينار قابلة للزيادة إلى 11 ألف دينار.
-         ترك الأمر الأوّل إمكان الجمع بين قروض السكن وقروض النهوض بالمسكن لفائدة الأجراء (FOPROLOS)[vii] في حين منع الجمع بينهما في النص الثاني.
-        حافظ الأمران على الإجراءات نفسها عند المنح والاستخلاص وبالخصوص على دور المؤسسة المقرضة حتّى ينظم لاحقا دور لجنة مختصة بصلب الصندوق [viii]. كما حافظا على مبدأ تمويل الإقراض بواسطة تمويل من احتياطي الصندوق يدعّم بالفوائد المستخلصة.
بحيث يتبلور من خلال هذه الملاحظات  اتجاهان يتفقان أوّلا على قاعدة التمويل ولكن يختلفان في وجهته، بحيث يتجه الأوّل بالنص إلى توسيع قاعدة المستفيدين ولكن بمبالغ محدودة السقف بينما يتجه الثاني بالنص الثاني إلى حصر عدد المستفيدين، ولكن بالرفع من قيمة القروض فيكون الأوّل في تقديرنا  اتجاه إقراض اجتماعي ”شعبي“ يتفق مع روح الفصل 24 مكرر من القانون عدد 30 لسنة 60  في حين يكون الثاني اتجاه إقراضي فئوي ، يغلب الجانب الاقتصادي( مردودية القرض المضمونة بضمان فئة الأجر التي يمكنها إنجاز الادخار ثم الاقتراض )  على الجانب الاجتماعي ( الذي يحفز اقتناء الضرورات الدنيا ) .
وإذا نظر إلى المسالة من زاوية أهمية تملك المسكن الخاص في  وعي و سلوك المستهلك التونسي فإنه يمكننا التنبؤ على ضوء هذه الإمكانات الاقتصادية بمن سيستطيع تملّك مسكنه الخاص بحكم الاستفادة منها عند التطبيق بحيث يطرح السؤال عن عدالة التوزيع الاجتماعي على أساس الضمان الاجتماعي المهني[ix] .
 
 
 
 
2 القرض الاجتماعي في التسعينات .
 
على ضوء الاحتمالات- التوقعات المثارة في المرحلة الأولى من تطور الإقراض الاجتماعي ، ما هي الاتجاهات التي سيتخذها القرض  الاجتماعي في ظل تحرر الاقتصاد الذي يعتمد على القوى الاقتصادية الحرة من خلال دعم المؤسسة وإطلاق قدرتها على العمل، هل سيعمل الإقراض كدافع للاستثمار أم كعائق له ،أم سيعمل كدافع للاستهلاك ليعود بذلك كداعم غير مباشر للمؤسسة فيتخذ كمثير اقتصادي إذ يحفز على الاستهلاك، انطلاقا من ان الاستهلاك الكمي و النوعي هو المحرك للاقتصاد الحر إذ يلعب في نفس الوقت دور المثير والمستوعب للإنتاج الاقتصادي .
 
أ: الظرف الاقتصادي والاجتماعي للتسعينات .
 
ان عملية الإصلاح الهيكلي للاقتصاد هي الإطار الذي لا يمكن دراسة تطور القرض الاجتماعي خارجه فالعملية الاقتصادية وكل ما يرتبط بها بما في ذلك التصرف في الضمان الاجتماعي بمختلف المنافع تقع في صميم هذه السياسة [x] .لذلك فان دراسة أي تعديل أو إضافة لا بد ان تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطي التأسيسي [xi] ، حيث يمكن ان نجد ان المخططات الاقتصادية قد انطلقت من مراجعة عميقة لمسار ومصير الضمان الاجتماعي،   فالمخطط الثامن  للتنمية عاين مثلا  ”ضعف مردود استثمار أموال الاحتياط للصناديق إذ يبرز من خلال تحليل استثمارات الضمان الاجتماعي في الفترة ما بين (85-80) . إذ أن 48,5% من هذه الاستثمارات شملت الميدان العقاري المتميّز بمردودية ضعيفة إذ لا تتعدى بالنسبة للمساكن الاجتماعية المعدة للكراء 1%. كما تتعلّق نسبة 41,7% من هذه الاستثمارات بالاكتتاب في رقاع التجهيز التي كانت فوائدها تساوي 5,5% مما لم يسمح للصناديق بتوجيه قسط من تمويلاتها نحو صيغ توظيف أخرى أكثر مردودية وفي الجملة لم يتعد المردود المتوسط لاستثمارات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 3% “[xii].وقد نصح المخطط لحفظ توازن الضمان الاجتماعي بإجراءات طويلة المدى، وذلك "بجملة من الإجراءات التعديلية أهمّها تحسين طرق توظيف الفوائض المالية للضمان الاجتماعي عن طريق التخلي التدريجي عن السكن الذي يساهم في التخفيض من نسبة مردود الاستثمارات وبالمقابل تدعيم القروض السكنية لفائدة المضمونين الاجتماعيين التي كانت نسبة فائضها تبلغ 8,25% [xiii] .
 والى جانب الانشغال بحفظ التوازنات الداخلية نجد ان المخطط مشغول  بنجاعة الاستثمار  في أموال الضمان الاجتماعي التي وظفت في مجال الإسكان (في البناء والتأجير بأثمان لا تتماشى وأسعار السوق خصوصا الموجهة لمنظوري  القطاع العمومي) لذلك فإن أحد وجوه قراءة سياسة القرض  لا يجب ان تنفصل عن سياسة الإسكان الاجتماعي، إذ  إن السياسة السكانية قد شهدت في مرحلة الإصلاح الهيكلي  تعديلات جوهرية تعلقت بتنظيم الشان العقاري وسياسة الإسكان عامة [xiv] ،  ويمكن إجمال هذه التعديلات في ما يلي ׃
أولا: وضع  القانون عدد 17 لسنة 90 المؤرخ في 26 فيفري 1990 و المعدل بالقانون عدد 71  لسنة 91 المؤرخ في 2 أوت 1991 و المتعلق   بالتطوير العقاري وقد حدد هذا القانون سياسة إسكان جديدة تعطي دورا مركزيا للفاعلين الخواص ( الباعثين العقاريين أو المقاولين ) بما فيهم غير التونسيين في إعداد الأراضي الصالحة للبناء كما تمكنهم من بناء وتسويق منازل معدة للسكن ، كما يمكن في نفس السياق الإشارة إلى إنشاء وزارة أملاك الدولة التي صارت في السنة الموالية وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية .
ثانيا :  تحويل الصندوق"القومي" للادخار السكني إلى بنك إسكان وذلك سنة 1989 " ليحول القرض السكني إلى حقل تجاري وان بشروط مخففة عن بقية البنوك التجارية .
ويمكن القول ان هذه  السياسة تشكل تراجعا  عن دعم السكن الاجتماعي بما يضع حدا لشعار- طموح  حكم سياسة الإسكان  طيلة العقود الماضية ،يعلن  تحقيق مسكن لكل مواطن وقد جعلت السياسة الجديدة الدولة فاعلا في الميدان من ضمن فاعلين، و حجمت  الأولويات التي كانت تحظى بها المؤسسات العمومية العاملة في ميدان الإسكان كالوكالة العقارية للسكني A.F.H.) ) والشركة العقارية للبلاد التونسية (  S.N.I.T. ) وهذه السياسة الجديدة جعلت السكن الاجتماعي يتراجع كأولوية  إذ  انه في الوقت الذي كان حجم الطلب على السكن الاجتماعي يزداد صارت طرق تمويله اقل قدرة على الاستجابة إذ انه بمنطق السوق اتجه الباعث العقاري الخاص إلى فئة السكان القادرين على الدفع(les solvables   ) وقد انعكس ذلك  سريعا على أثمان الأراضي المعدة للبناء
حيث أن الاتجاه الغالب لدى السكان هو اقتناء المسكن الخاص واجتناب السكن المشترك ” العمودي غالبا “ مما رفع الطلب على هذه الأراضي التي تزداد ندرة خاصة في العاصمة بعد تحديد الدولة للملك العمومي [xv].
أن سياسة الإسكان في التسعينيات القائمة على تأهيل سوق الإسكان بتخلي الدولة أدى إلى وضع السكان أمام صعوبات يومية في الحصول على الأراضي الصالحة للبناء وفي اقتناء  المسكن الجاهز حيث توزع التمويلات بحسب القدرة على الدفع.” وقد أثمر ذلك عودة إلى السكن العائلي بالبناء فوق منزل الأب عادة أو الأصهار و هو ما يمكن دراسته من زاوية التأثير على سلوك العائلة والأفراد واحتمالات الارتكاس إلى المجتمع الأبوي[xvi]، وهو ليس موضوع هذا العمل .
 
ب :اتجاه الإضافات القانونية للتسعينات .
 في الإطار الاقتصادي والاجتماعي الذي تم عرضه أعلاه تم في مجال الإقراض الاجتماعي   صدور جملة من النصوص لتعديل التراث  القائم منه  وإضافة مجالات نوعية داخله . ففي مجال تعديل النصوص القائمة والجاري بها العمل  نجد ثلاث تعديلات تعلقت بتغيير أحكام أساسية في الأمر عدد 383 لسنة 86 المؤرخ في 22 مارس 1986 المتعلّق بإسناد قروض سكنية من قبل صناديق الضمان الاجتماعي. وهذه التعديلات هي بالترتيب التاريخي لصدورها.
- الأمر عدد 274 لسنة 88 المؤرخ في 26 فيفري 1988
- الأمر عدد1437 لسنة 88 المؤرخ في 2 أوت 1988
- الأمر عدد609 لسنة 1989 المؤرخ في 6 جوان 1989
أما في مجال إعادة إحداث أفرع جديدة للإقراض فنجد بالترتيب التاريخي للإصدار .
-        الأمر عدد 273 لسنة 88 المؤرخ في 26 فيفري 1988 المتعلق بإسناد قروض من قبل صناديق الضمان الاجتماعي.
-        الأمر عدد 1936 لسنة 1991 المؤرخ في 6-12-1991والمتعلّق بتمويل مشاريع الصحة والسلامة المهنية من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والذي سيلغي ويعوّض في تاريخ لاحق بالأمر عدد 1050  لسنة 1996 المؤرخ في 3 جوان 1996 الذي سيتعلق بنفس الغاية.
 
ماذا حملت هذه  التعديلات المدخلة على التراث السابق، وهل يمكن أن تكشف إضافة نوعية؟وما هي الفئات الاجتماعية التي ستستفيد منها ! وهل يكشف ذلك عن الوجه الجديد للقرض الاجتماعي في سياق الإصلاح الهيكلي للاقتصاد .
 لفهم هذه التعديلات والإضافات يستحسن تناولها في ترتيبها التاريخي و المضموني الذي صنفت إليه أعلاه .
ب-1)  التعديلات على النصوص الأولى(التاسيسية ) :
سبقت الإشارة إلى   أن الأمر عدد 383 لسنة 86 قد جاء بإلغاء الأمر عدد 1371 لسنة 81 الذي أسّس تقاليد الإقراض في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وقد حصر الإقراض في مجال السكن فقط وظل ذلك ساريا بين سنة 1986 إلى سنة 1988 فكان مجال الإقراض مفتوحا من أجل بناء أو ترميم أو شراء مسكن ولفئة اجتماعية محددة بدقة وهي الفئة التي تجمع شرط خمس سنوات أقدمية مساهمة في صندوق الضمان الاجتماعي إلى جانب شرط الانخراط في صندوق الادخار السكني بمبالغ هامة. بحيث إذا أضيف إلى هذه المبالغ قرض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يمكن أن تصل إلى 70% من قيمة المسكن.
ان التعديلات على النص الأوّل - المتعلق بقروض السكن- توحي باتجاه متجدد لدعم الإقراض الاجتماعي وتوسيعه أفقيا وعموديا :
ونعني بالتوسيع العمودي الرفع من القيمة المالية للقرض، إذ نجد أن التعديل المدخل بمقتضى الأمر عدد 274 لسنة 88 على الأمر عدد383 لسنة86 قد رفع من قيمة القرض الموجه لبناء أو تحسين أو شراء مسكن إلى عشرة آلاف دينار باقتراح صيغتين تنفيذيتين الأولى تمنح لاستكمال قرض الادخار السكني وتقسم إلى قسطين داخل نفس السقف والثانية صيغة تكميلية لقرض مكتمل لدى صندوق الادخار السكني وتقدم دفعة واحدة أما للباعث العقاري المصادق عليه أو للمستفيد نفسه، وداخل هذا التوسيع مدد المشرّع فترة الإمهال قبل الشروع في استرجاع القرض من شهرين إلى ثلاثة أشهر، بغية الإبقاء على الأجر كاملا فترة أطول قبل الشروع في الاقتطاع على الأجر لاسترجاع القرض مما يسمح للمستفيد "باسترداد الأنفاس" من متاعب البناء على رأي موظفي إدارة القروض داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
كما نجد إضافة على غاية من الأهمية إذا نظرنا إليها من زاوية غير هندسية بحتة، وهي التعديل على الفصل 17 من الأمر المذكور والتي وسعت المساحة المغطاة من البناء المموّل بالقرض من 200م² إلى 250م² وهذا الفارق غير البسيط هو الفارق بين القدرات الذاتية على البناء ،حيث ان مساحة البناء المغطاة خاصة تكشف الفئات الاجتماعية فنجد فارقا نوعيا داخل المشمولين بهذه القروض هو الفارق بين الفئة الاجتماعية التي تكتفي بالسكن العمودي وبين الفئة الاجتماعية ذات المسكن المستقل وذلك داخل ثقافة اجتماعية تفضل الاستقلال بالمسكن وتعتبر السكن العمودي ضرورة لا خيارا.مما يطرح السؤال لمن تتجه منافع الضمان الاجتماعي فعلا؟
أمّا التوسّع الأفقي فنعني به توسيع إمكانية الحصول على المنفعة إلى أوسع قطاع ممكن، فقد ورد بالتعديل الصادر بالأمر 1437 لسنة 1988 والذي اتجه إلى إلغاء أحكام الفصل الثاني من الأمر عدد 383 لسنة 86 والذي كان ينصّ على حصر الفئات المستفيدة وتحديدها بشروط ضيقة، وإلغاء الفصل الثاني بفتح الباب لتطبيق الفصل الأوّل في صيغته الشمولية إذ ينصّ على أنه "يمكن لصناديق الضمان الاجتماعي منح قروض سكنية لمنخرطيها" مما يوسع قاعدة المستفيدين ليشمل غير المنخرطين بصندوق الادخار السكني[xvii] مثل بنك الإسكان الذي حل محل  صندوق الادخار السكني في سياسة الإقراض ذات الفائدة المعدلة لأهداف اجتماعية.
عند هذا الحدّ يكون التعديل موجها إلى التوسع العمودي بالرفع من المبالغ وبالتوسع الأفقي لتوسيع قائمة المستفيدين المحتملين غير أن اتجاه التوسيع سيتراجع بعد سنة من ذلك لتظهر علامات حد من الإمكانات المفتوحة وذلك بصدور الأمر 609 لسنة 1989 المؤرخ في 7 جوان 1989 والذي تدخل في مجالين هامين.
الأوّل هو العودة إلى تعديل الفصل 17 فبعد أن وسعت مساحة البناء المغطاة موضوع القرض من 200م² إلى 250م² عاد المشرّع ليحصرها في 225م² وإيرادها في صياغة لفظية قابلة للتأويل التنفيذي فبعد أن كان النص يتحدّث في الصيغة الأولى (383-86) والصيغة الثانية (274-88) عن المساحة المغطاة الممولة بواسطة القرض صارت الصيغة الأخيرة (609-89) بالمساحة السكنية ليس فقط المغطاة [xviii] الممولة بواسطة القروض.[xix]
أما التعديل الثاني فاتجه إلى تمديد فترة استرجاع القروض من 15 سنة إلى 20 سنة دون تغيير في الوسيلة أي الخصم من مرتب المستفيدين من قبل المؤجر.ولهذا التحديد مغزى اجتماعي هام من حيث أنه ينعكس إيجابا على عدد المستفيدين، ذلك أن تمديد فترة الاسترجاع سينعكس على المبلغ الشهري المسترجع، فينخفض، فما كان يقسم على 15 سنة أي 180 شهرا سيقسم على 20 سنة أي  240 شهرا ، وانخفاض القسط الشهري المقتطع بعنوان القرض سيجعل هامش الراتب المتبقي متسعا بالنظر إلى الشرط الوارد في الفصل 10 من الأمر عدد 383 لسنة 86 والذي تنزل  التكاليف الناتجة عن استخلاص القروض الممنوحة (القسط الشهري + الفائدة + مبلغ التأمين) للمنخرط دون   40% من مجموع المرتب الشهري الخام .كما ينعكس هذا الشرط على طول مدة الاستخلاص وبالتالي توظيف الفائدة لفترة أطول.
على ضوء هذه الإضافات هل يتجه القرض فعلا إلى القاعدة الأوسع من مستفيدين ، أم يسعى إلى الاستثمار الاجتماعي( السياسي والاقتصادي بالضرورة ) في فئة اجتماعية ذات مواصفات مميزة يدخل في سلوكها القاعدي  امتلاك المسكن المستقل؟ وما هي دلالات هذا الاستثمار "الاجتماعي" في تاريخ تطور القروض الاجتماعية في سياق الإصلاح الهيكلي ؟.
يمكن هنا  الوصول إلى استنتاج أوّلي أن القرض الاجتماعي يقع في موضع صراع حاد بين المستفيدين وأنه محل تجاذب بين إرادة الاستثمار في الإسكان الاجتماعيوبين إرادة الاستفادة من كلّ فرصة متاحة تؤدي إلى الازدهار الشخصي بامتلاك عناوينه الاجتماعية (المسكن-الفيلا) فيما يقع المشرع بينهما يعدل النصوص تباعا . ليؤدي بالتشريع الاجتماعي إلى لعب دوره السياسي بإحداث-إفقاد التوازن بين الفئات. وربما للحفاظ وفي العنوان على التوازنات المالية للصناديق.
ب-2 ) إعادة إطلاق سياسة الإقراض الاجتماعي في إطار الإصلاح الاقتصادي :
ما هي الإضافات التي عاد بها القرض الاجتماعي  على أبواب التسعينات ؟ بعد أن كان الإقراض  قد حدد في مجال السكن فقط عاد  الأمر عدد 273 لسنة 1988 المؤرخ في 26 فيفري 1988 إلى إحياء الفرعين القديمين في مجال الإقراض الاجتماعي وهما القروض الشخصية وقروض السيارات. وذلك لكلّ المضمونين الاجتماعيين  دون تمييز نظام ضمان اجتماعي عن آخر مع إحداث صلاحية لوزير الشؤون الاجتماعية للتأثير في الشروط والكيفية التنفيذية وذلك داخل الشروط المبدئية المتمثلة في :
-        عدم تجاوز التكاليف المالية الناتجة عن القروض المسندة للفرد  40%  ( أي الجزء الحيوي غير القابل للحجز باي عنوان ) من الأجر الخام باعتماد أجور كلّ من الزوجين إذا كان الاثنان منخرطين بنظام ضمان اجتماعي (عام أو خاص)وهو ما يمكن تسميته  بمبدأ تضامن  الدخلين .
-        استخلاص القروض بالحجز على المرتب من قبل المؤجر مع اشتراط إبرام عقد تأمين على الحياة أو تقديم ضمان تضامني يضمن استخلاص الديون المتخلدة المرتبطة بالقروض مع الاحتفاظ لمؤسسة الضمان الاجتماعي  بصلاحية حجز المبالغ المستحقة مما يمكن أن يسنده الصندوق من منافع في صورة الانقطاع عن الدّفع أو فقدان صفة المضمون الاجتماعي (فقد الشغل) حيث يظل الرفع من نسبة الفائدة الموظفة إلى 2% على الجزء الذي حلّ أجله ولم يستخلص جائزا وممكنا .
-        ممارسة عمل قار أو ترسيم بالعمل وأقدمية انخراط بالضمان الاجتماعي لا تقل عن ثلاث سنوات واثبات دفع  3-4  من المساهمات في كلّ سنة منها.
أمّا الشروط الفنية فقد ربطها المشرع :
- بتسوية ” خلاص “ القروض السابقة ،
- جعل المبلغ الأقصى للقرض الشخصي لا يتجاوز راتب شهر ونصف مما يتقاضى المضمون الاجتماعي ويحدد وزير الشؤون الاجتماعية المقدار الأقصى لهذا القرض ثمّ يستخلص بفائدة قدرها 8,25 %على امتداد 12 شهرا بعد أجل إمهال بشهرين ولا يتمتع الزوجان إلا بقرض واحد في نفس المدّة ولا يسند قرض ثان إلاّ بعد مضي سنتين على نهاية استخلاص سابقه .[xx]
 أمّا بخصوص قروض السيارات فان ما يثير الانتباه منذ البداية هو  حصر المستحقين في فئة الإطارات العليا للدولة أو للمؤسسات العمومية أو الخاصة أو المنتمين إلى سلك نشيط مدعو للتنقل لضرورات العمل. إضافة إلى شرط يبدو في ظاهره فنيا وهو  رفع الأقدمية المصرّح بها للضمان الاجتماعي والمدفوعة المساهمات إلى 5 سنوات كاملة قبل الطلب ولكن صبغته الفنية تحتمل دلالة بالغة من حيث البعد الوظيفي للأقدمية المهنية التي تعني مساهمات لفترة أطول قبل لحصول على القرض( توفير الرصيد الشخصي ) كما تعني ضمان البقاء في المهنة لحين الاستخلاص كما تعني الإلزام بالبقاء في المهنة لحين الاستخلاص أي ”الهدوء“المهني لحين استكمال التمتع بالمنفعة ( السيارة ) وتجديدها لاحقا  .
وتخضع هذه القروض لنفس الطرق والشروط المتعلقة باستخلاص القروض الشخصية من حيث الفائدة الموظفة عليها أي بنسبة 8,25 %مع إضافة نسبة 2% عند التأخير أو فقدان صفة المضمون الاجتماعي وعدم نزول تكلفة القرض تحت حد  40% من الأجر الخام الذي يتقاضاه المضمون وزوجه متضامنين، ويمتد الاستخلاص على 7 سنوات للسيارات الجديدة والى 5 سنوات للسيارات المستعملة( لا يتجاوز تاريخ جولانها أربع سنوات). وفي كلّ الحالات فإن السيارة موضوع القرض لا تتجاوز قوتها الجبائية 11 حصانا وعلى ان تشتغل بوقود البنزين لا غيره .أمّا مبلغ قرض السيارة فيصل إلى 90% من ثمن السيارة الجديدة في حدود 10 آلاف دينار و70 % من ثمن السيارة القديمة في حدود 9 آلاف دينار .
ويشترك القرض الشخصي وقرض السيارة في مصدر التمويل إذ نص الفصل 20 من الأمر عدد273 لسنة 88 على أن ترصد اعتمادات تمول بمنحة سنوية تقتطع من أموال أنظمة الضمان الاجتماعي ويضبط مبالغها مجلس إدارة الصندوق وتخضع لموافقة وزارة الشؤون الاجتماعية بحيث لا تضاف تكلفة مساهمة على المستفيد أو المؤسسة المشغلة.
 بقطع النظر عما توحي به هذا الإضافات من تطور نوعي فان الإجابة عن الأسئلة المطروحة يقتضي الالمام  بباب آخر من أبواب الإقراض الاجتماعي التي تمت العودة إليها ، وهي القروض المبذولة للمؤسسة الاقتصادية المشغلة وليس للمضمون الاجتماعي مباشرة.
ب-3 ) إقــــــراض المؤسسة الاقتصادية من الضمان الاجتماعي :
 
أشير عند الحديث عن بداية تأسيس سياسة الإقراض من قبل مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى أن هناك فرع خاص من القرض يمكّن المؤسّسة الاقتصادية  من الحصول على قرض لتمويل مشاريع ذات أهداف اجتماعية، وان لم يحدّد المشرّع طبيعة هذه المشاريع إلا أنه ربط الحصول عليها بإحداث منفعة بالمؤسسة تعود فائدتها المباشرة للعملة. ولم يحدد لها سقف لكن وضعت آليات لمعرفة مبلغها فهي لا تتجاوز ثلثي تكلفة المشروع الذي يجب أن يكون موضوع دراسة مجمع عليها من قبل لجنة المؤسسة أو اللجنة المتناصفة يمر بالضرورة عبر اللجنة المختصة في إسناد القروض داخل الصندوق على أن يسترجع خلال سبع سنوات بفائدة قدرها 5%. ولم يتعرّض هذا المجال إلى تعديلات إلى حين إيقاف العمل به بصدور الأمر عدد 383 لسنة 86.
لكن تمت العودة إلى هذا النوع من القروض في أوّل التسعينات وذلك بمقتضى الأمر عدد1936 لسنة 1991. المؤرخ في 16- 12 -1991 والمتعلق بتمويل مشاريع الصحة والسلامة المهنية من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي( حيث ان الإقراض بهذا العنوان لا يشمل المؤسسة العمومية ) .و يقوم هذا الأمر أساسا  بتدقيق غاية القرض  فبعد أن كان يتمّ لإنجاز مشاريع اجتماعية لفائدة العمال دون تحديد دقيق لطبيعة هذه المشاريع   ربط المشرع في النص الجديد بين الإقراض وبين مشاريع ذات طبيعة محددة وهي تمويل مشاريع الصحة والسلامة المهنية داخل المؤسسة، ويتزامن هذا النص مع مرحلة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد  والهادف إلى  تطوير المؤسسة الاقتصادية  من الداخل لتستجيب لجملة مواصفات عالمية تأهيلا لها لمماشاة التجهيز الصناعي الحديث والمتجدد .
غير أن هذا الباب من الإقراض سيشهد تغييرا نوعيا هاما ضمن إطار أوسع من التشريع الاجتماعي يتمثّل في جعل الصحة والسلامة المهنية جزء لا يتجزأ من مسؤولية المؤسسة عبر إدراج باب خاص بقانون التعويض عن أضرار حوادث الشغل والأمراض المهنية . فإلى سنة 1995 كان التعويض عن ”فواجع الشغل “يتم من قبل شركات التأمين التجاري طبقا لأحكام القانون عدد73 لسنة 57 المؤرخ في 11-12-1957 ولم يكن الإقراض طبقا للأمر عدد 1336 يتم لصالح الصندوق الوطني بل يعود لصالح العمّال لينعكس إيجابا على عقود التأمين بالإقلال من الحوادث دون المساس بطبيعة التغطية التأمينية.
و الحدث الهام والذي يتزامن بدوره مع هذا السياق الإصلاحي هو وضع القانون الجديد للتعويض عن أضرار حوادث الشغل والأمراض المهنية. وهو القانون عدد 28 لسنة 1994 المؤرخ في 21 فيفري 1994 والذي دخل حيّز التنفيذ في أوّل جانفي 1995 والذي نقل التصرّف في جبر الضرر المهني بمختلف درجاته  بمقتضى الفصل الثاني منه من شركات التأمين التجاري  إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي[xxi] .
وفي هذا  الإطار سيشرع للإقراض لغاية الصحة والسلامة المهنية كسياق خصوصي للإقراض الاجتماعي فقد نص القانون عدد 28 لسنة 94 في الفرع الثالث من القسم السادس من الباب الثاني منه وبالتحديد الفصول من 85 إلى 90 على جملة من الإجراءات تتعلق بالوقاية من الأخطار المهنية، وتنقسم هذه الإجراءات إلى عنوانين.
-        العنوان الأوّل هو الإلزام بإجراءات الوقاية والحماية ،
-        العنوان الثاني هو ربط نسب المساهمة ترفيعا وخفضا بدرجة الوقاية والتحفيز إلى ذلك بفتح المجال للحصول على قروض من مؤسسة الضمان الاجتماعي لتمويل مشاريع الوقاية. [xxii]
أمّا المخول عمليا للانتفاع بهذه القروض فهي المؤسسات أو مجموعة المؤسسات المنخرطة بالصندوق الوطني منذ ثلاث سنوات على الأقل والتي هي في وضعية قانونية من ناحية خلاص الاشتراكات واسترجاع القروض المخصومة من أجور أعوانها .ويخضع مطلب القرض للدرس من قبل لجنة مكونة بصلب الصندوق وهي غير  لجنة دراسة القروض العادية وتحدد اللجنة مبلغ القرض ومنحة الاستثمار اعتمادا على حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها وعدد أعوانها وأهمية الأخطار بها[xxiii] .
أمّا مبلغ القرض فقد حدد عند 70% من كلفة المشروع وفي حدود 300 ألف دينار على أن يوفّر المؤجر 30% على الأقل من كلفة المشروع حيث بإمكانه أن يجعل ضمن 30% منحة الاستثمـــار التي تقدّر بـ20 %من كلفة المشروع. بحيث لا يوفر المؤجر فعليا إلا 10% من الكلفة يكملها بالمنحة غير المستعادة وقدرها  20% ويضيف إليها القرض 70% من الكلفة الذي يحصل عليه على دفعات ثلاث بحسب درجة تقدمه في الإنجاز كما يلي:
-        40% عند انطلاق المشروع،
-        40% عند بلوغه 50% من الإنجاز،
-        20% عند انتهاء الإنجاز.
و في حين لا تسترجع المنحة فإن القرض يخضع لنسبة فائدة قدرها 6% سنويا أما  القرض فيسترجع خلال عشر سنوات مع فترة إمهال تدوم ثلاث سنوات من تاريخ إسناد القسط الأوّل. وفي صورة عدم احترام الشروط أو عدم إنجاز المشروع يحرم المقترض من المنحة والقرض ويوقف صرف المتبقي من الأقساط ويصير ما سبق دينا يخضع إلى توظيف الفائدة التجارية المتعامل بها وذلك عن كامل مدة الاسترجاع.
ان القروض المخولة للمؤسسة الاقتصادية أي قروض الوقاية فهي ليست قروض استهلاك مباشر بل هي ذات فوائد بعدية تعود على المضمونين لتنعكس على الصندوق تخفيضا في حجم المنافع-التعويضات.و هي لذلك لا تضيف أعباء جديدة من مساهمة على المؤسسة  و الفائدة المرتجاة من ذلك مقدرة من منظور وقائي إذ تهدف إلى مساعدة المؤسسة عبر تجهيزها مسبقا بوسائل الوقاية مما يؤدي إلى التخفيض في عدد الحوادث والأمراض المهنية مما يجر تخفيف حجم التعويضات لاحقا. وتكون الفائدة العائدة للمضمونين الاجتماعيين فائدة غير مباشرة إذ توفّر لهم التجهيزات ظروف العمل الملائمة وغير الخطرة.
وإذا كانت قروض الاستهلاك مرتبطة بتحديد دخول دنيا فإن هذه القروض مفيدة  ”نظريا“ وبصفة غير مباشرة  لكل المضمونين الاجتماعيين، غير أن  الطابع الوقائي و حجم المؤسسة المقترضة [xxiv] يلعب دورا في استحقاق القرض فالمؤسسات الصغرى التي لا تنتخب لجنة مؤسسة ولا تلزم بالانخراط في تقاسم طب الشغل تظل خارج قائمة المستحقين مما يجعل هذه القروض فئوية وغير شاملة.وإزاء احتمالات خفض المساهمة للمؤسسات المستفيدة بالقرض- إذا أحسنت استغلاله- فانه يصبح لبعض المؤسسات بابان للاستفادة (القرض + تخفيض نسبة المساهمة ) في حين لا تتمتع مؤسسات أخرى بأي استثناء.
 


3 ) اجتمـــــاعية القرض الاجتماعي .
أ - خلفية منهجية للقراءة
هل يؤدي القرض الاجتماعي دوره التنموي ، لا يحتمل هذا السؤال أي تشكيك في الجدوى الاجتماعية الحاصلة من مختلف أصناف و أبواب القرض الاجتماعي غير ان قياس الجدوى عملية تقتضي الإمساك بالمعطيات الكمية ، لكن المعطيات المتاحة من إحصائيات الصناديق لا تسمح بالذهاب بعيدا في قياس الجدوى فهي مجملة جدا كما ان الحصول عليها يمر بمسالك تدفع إلى الندم على الشروع في البحث .
لذلك نؤثر ان نتأمل فيما يمكن ان يسمح به تطبيق النصوص القانونية من تأويل في اتجاه التنمية الاجتماعية معتمدين مقولات علم اجتماع الحقوق ، حيث يمكننا القول ان  سياسة الإقراض الاجتماعي في كيفية تأسيسها وتطويرها  تشكل نموذجا مثاليا بالمعني الفيبري[xxv] لمعرفة التنازع حول المنفعة الاجتماعية من خلال الموقع في التراتب الاجتماعي حيث يصير بإمكان الأقوى اجتماعيا وليس بامتلاك القوة الاقتصادية فقط  أن يوجه عمل النص القانوني أثناء الوضع أو أثناء التطبيق( التأويل )،لقطف الفائدة الاجتماعية كما يمكن أن يقدم لنا رؤية  للمجتمع الذي تتم فيه التشريعات مما  يمكن اعتبارها طريقة أو منهجا في الهندسة الاجتماعية تعيد هيكلة التراتب الاجتماعي عن طريق منح الفائدة بحسب الموقع بقطع النظر عن الموقع الأخلاقي  إزاء القانون أي المساواة النظرية التي تتأسس عليها مبادئ الضمان الاجتماعي .
 أن التطورات التي أدخلت على نظام الإقراض الاجتماعي ، هي تطورات لم تخالف المبدأ التأسيسي الذي قامت عليه بمقتضى التعديل القانون الأساسي (الفصل 24 مكرر من القانون عدد30 لسنة 60) في نقطة أساسية وهامة وهي عدم إضافة مساهمة على العمل ( على المؤسسة الاقتصادية ) ، كما أنها جاءت منسجمة انسجاما تاما مع المبدأ الأساس، في سياسية الضمان الاجتماعي وهو المبدأ المهني الذي يسبق الإسهام قبل المنفعة. ولا يأخذ بعين الاعتبار غير المساهمين أو المساهمين تحت سقف معين .
 وإذا كان لوجهة النظر هذه  أن تؤدي إلى استنتاجات بوجود صبغة فئوية للقرض الاجتماعي بما يعنيه ذلك من المساهمة في إعادة التراتب الاجتماعي باعتماد الإمكانات المالية للضمان الاجتماعي القائم من حيث المبدأ على المساواة  بما قد يشكك في الطبيعة الاجتماعية القرض الاجتماعي فانه لا يجب ان ننسى ان مبادئ سياسة الضمان الاجتماعي المهنية كما تأسست واستمرت على قاعدة الاستحقاق بعد المساهمة والاستحقاق بقدر المساهمة والتي تتجلى بالخصوص في شروط الأقدمية والأجر تحتوى بذاتها على قواعد اللامساواة ازاء المنفعة الاجتماعية .لذلك فإن اتخاذ أرصدة الضمان الاجتماعي في أفق استثماري في مجال سياسة الإسكان على سبيل المثال يطرح السؤال عن الموقع   الاجتماعي للخطاب القائل بالتميز في سياسة الضمان الاجتماعي ، حيث نجد ”إن الدافع الاجتماعي يتضافر مع الدافع الاقتصادي ليخلق هذه الميزة في سياسة الضمان الاجتماعي في تونس، التي   تعتبر فكرة أصيلة فإلى جانب دور الحماية الاجتماعية "التقليدي" فإنها تطوّر وظيفة موازية ومكملة لم تستدعها حالة اجتماعية ملحة(؟) بقدر ما هي علامة حسن استثمار للإمكانات المالية والمزدهرة في آن، وهو ازدهار يعود إلى سرعة نمو المداخيل مقابل انخفاض المصاريف أي ارتفاع رزمة الأجور المساهمة باتساع سوق الشغل وصغر سن السكان في مقابل الحد من المنافع وهو ما أدى إلى خلق فرصة لتنويع الإمكانيات الاستثمارية للمؤسسة لخلق مصادر إضافية دون الالتجاء إلى الرفع من المساهمات (…) وهذه الأسباب دفعت الصناديق إلى تجاوز أسباب وجودها لتتحوّل إلى مؤسسات مالية تتدخل في الاقتصاد لكن من أجل أداء وظيفة اجتماعية “[xxvi] .
ب  حقيقية دور الشروط الفنية ؟
 كيف سيتم التوفيق بين الهدف الاجتماعي المعلن ضمن سياسة اجتماعية تعلي المساواة وبين مستحقات الموقع الاجتماعي ازاء المنفعة ؟
إن المتأمّل في التطورات الحاصلة كما تمّ عرضها في متن الفقرات السابقة يتبيّن أنه في الوقت الذي تتجه فيه التطويرات إلى إطلاق الصبغة الاجتماعية وإعلائها تظهر جملة من الكوابح الفنية في درجة أدنى في السلم التشريعي لتحد منها أو تلغي فعاليتها لتحيلها إلى إمكان نظري صرف ومثال ذلك :
* في  القروض الشخصية والتي حافظت دائما على شرط توفّر أقدمية المساهمة لثلاث سنوات نجد أنه في الوقت الذي تمّ تسريع وتيرة الحصول على هذه القروض وتسريع آجال استخلاصها كأنما ليتمتع بها أكبر عدد ممكن من المضمونين الاجتماعيين ولأكثر من مرة لكل مضمون تم وضع سقف مالي من قبل وزير الشؤون الاجتماعية (700 دينار إلى بداية سنة 2003) والحفاظ على  نسبة الفائدة الموظفة على القرض، ومنع الزوجين من الحصول على قرضين في وقت واحد وان توفرت لكليهما صفة المضمون الاجتماعي ، مما ينقص من  الصبغة الاجتماعية لهذه القروض خاصة إزاء ارتفاع أسعار  مواد الاستهلاك النوعي ( اقتناء أدوات الرفاه المنزلي بسعر السوق ) كما لو أن هناك  تنافر بين المبدأ الاجتماعي الذي تأسست عليه فكرة القرض الشخصي وبين السقف المنخفض لهذه الشروط ، بحيث لا بد ان يطرح سؤال إضافي بعد رفع سقف هذه القروض سنة 2003 وجعله يساوي أجرا ونصف الأجر الخام كما في النص ، عن المستفيد الفعلي من رفع السقف أي فئة من فئات المضمونين الاجتماعيين قد تستفيد فعلا من ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار فوارق الأجور [xxvii] .
** في قروض السكن : وهو  الفرع الأهم من القروض( من حيث الفائدة أي موضوع الصراع )  نجد أن هناك اتجاه  لتوسيع قاعدة الاستفادة تظهر عبر:
-        إلغاء شرط الربط بين الانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي وبين الانخراط في صندوق الادخار السكني مما فتح الإمكان القانوني لكل المنخرطين [xxviii] ،
-          إدخال مرتب القرين رديفا عند احتساب قاعدة الاستحقاق والاستقطاع اللاحق ،
-         الرفع من سقف القرض وتمديد أجل الاستخلاص لتخفيض القسط الشهري المسترجع .
 
إن هذا التنازع يتجلى أكثر في التعديلات المتسارعة والمتكررة على مساحة البناء المغطاة بالقرض فمن 200 م² رفعت إلى 250 م² لتنزل إلى حالة وسطى 225 م²، فالتجاذب يتمّ حول ما يمكن أن يغطيه القرض من مساحة سكنية والمساحة المقصودة تحدد حجم البيت ونوعية الحياة التي يسمح بها أو يؤدي إليها وبالتالي حجم صاحبها الاجتماعي-وموقعه. مما يحول الشروط التي تبدو شروطا فنية محايدة  إلى شروط اجتماعية تخفي/تظهر الفئة الاجتماعية التي يصنعها/ يخلقهاالنص ثمّ يستمر بها  أومن أجلها ، فتظهر بالضرورةموقع النص  إزاء فئات المستفيدين والمقصيين.
ان التوجه الذي اتخذه فرع الإقراض الموجه لاقتناء السيارات حيث حصر المشرع منذ البداية فئة المستفيدين من ذوي الأجور المرتفعة ( بدأ من 3,5  مرات الأجر الأدنى) يمكن ان يدلل على ان القرض الاجتماعي يقع في موقع صراع اجتماعي يحكم على صبغته الاجتماعية الفعلية ، فهذا التحديد يجعل هذه القروض تتدفق في قناة واحدة لتصب لفئة واحدة هي فئة الإطارات السامية من ذوي الدخول المرتفعة [xxix] فقط وإن سمح مبدأ تضامن القرين لافتتاح الحق  دون المساس بحد 40% من جملة الدخلين من توسيع قاعدة المستفيدين إلاّ أن ذلك لم يغيّر الطبيعة المبدئية لهذه القروض، خصوصا وأنه لدخل يقل عن 3,5 من الأجر الأدنى لا يمكن الجمع بين قرض سكن وقرض سيارة.
 وبصفة عرضية قد تكون قروض الموجهة للسيارات قد خففت على الإدارة والمؤسسات العمومية أعباء اقتناء السيارات الإدارية لفائدة كوادرها. وحوّلت أعباء السيارة على صاحبها، وقد تكون أسهمت في تجديد أسطول السيارات ، إلا أن هذه لا تعدو أن تكون أعراضا لسياسة اجتماعية موجهة لدعم فئة اجتماعية ذات صفات محددة بتسهيل حصولها-تمتيعها بمواد الاستهلاك المرفهة، فإلى جانب إمكانية الحصول على قرض لبناء المسكن يمكن الحصول بالتوازي على قرض شراء سيارة قابلة للتجديد بحيث تتجمع  الإمكانيات الفنية باعتماد الأجر والأقدمية لدى فئة واحدة، يضيق عددها وتتسع حقوقها بارتفاع دخولها في المقابل كلما انخفض الأجر كلما تكاثفت الشروط المانعة انحصرت الإمكانات وانحسرت الحقوق، وحتى عنصر انتظام المساهمة وديمومتها لا يفتح أكثر من الحق في القرض الشخصي.
ومن هذا المنظور أيضا فإن القروض المقدمة لفائدة المؤسسة ولو أنها تتم داخل إطار تصوّر جديد هو دعم البنية التحتية المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية العائدة بالضرورة لفائدة العمّال إلاّ أنها قبل أن تصل فائدتها إليهم بصفة غير مباشرة تنضاف بصفة مباشرة  لرأس مال المؤسسة بحيث تعود أوّلا على صاحبها، (فتتحول مؤسسة الضمان الاجتماعي من هذه الزاوية إلى بنك تمويلي تحت ذريعة اجتماعية مما كان يدخل بحكم قانون الشغل في المسؤولية المباشرة للمؤسسة الاقتصادية ( المؤجر ) وتصبح الصبغة الاجتماعية غطاء -ذريعة لتمويل من مصدر غير متوقع .
 
خــــــــــاتمة
هل تحقق القروض الاجتماعية أهدافها الاجتماعية؟ أي النهوض بالعمل الاقتصادي والاجتماعي لفائدة العملة؟ كما حددها الفصل 24 مكرر من القانون عدد30 لسنة 60 وهل تساهم في التنمية الاجتماعية ؟ .
إن النظر إلى سياسة الإقراض الاجتماعي كجزء من سياسة الإسكان التي هي بدورها جزء من السياسة الاجتماعية يبين أن الشروط الفنية قد كيّفت طبيعة هذه القروض وحصرتها في فئة اجتماعية بعينها مما جعل منها وسيلة لبناء هذه الفئة اجتماعيا وهيكلتها ثمّ الحفاظ على مستوى عيشها (المرفه نسبيا مقارنة بمستوى الدخول الأقل من 3,5 أضعاف الأجر الأدنى )، إذ تقع فوق مستوى الدخول الدنيا بكثير، وتحول الضمان الاجتماعي (القانون-المؤسسة) إلى امتياز اجتماعي لما يمكن أن نصطلح عليه بالطبقة الوسطى التونسية[xxx].
 
إن النظر إلى سياسة الإقراض من هذه الزاوية ،زاوية علم اجتماع الحقوق كما لخصناها في الفقرة السابقة تكشف أن الإقراض الاجتماعي لا يتجه بالمنفعة لمصلحة الفئات الدنيا من الأجراء أو الفئات المعرضة للتهميش بالطرد الفني والاقتصادي كنتيجة للتحديث ولا توظّف الرصيد المالي المتراكم من مساهماتهم أثناء النشاط لحمايتهم أثناء انقطاع المساهمة أو لتمتيعهم بتحويلات اجتماعية مماشية لتكاليف المعيشة وإنما تنتهي بوضع هذا الرصيد في خدمة الفئة الاجتماعية الأقلّ عرضة للتهديد بالإقصاء والتهميش (الفئة المستقرّة مهنيا و الأقل عرضة للإقصاء وذات الدخول المرتفعة نسبيا ) لا لتحميها من احتمالات الإقصاء بل لتوفّر لها إمكانات استهلاك غير حيوية  ( المسكن الخاص والسيّارة) مقارنة بما يحتاجه غيرها وقد لا يحصل عليه بدخله فقط .
وقد تأكد ذلك من خلال أحداث تشريعي جديد وهام من حيث التأثير وهو التعديل على نسبة الفائدة  في  السنة الأولى من المخطط التاسع حيث تم تخفيض نسبة الفائدة الموظفة على القروض السكنية بنسبة نقطة ونصف فصارت 6,75% عوضا عن 8,25% وذلك بداية من 21 أوت  1998[xxxi]، وذلك، بمقتضى الأمر عدد 2086 لسنة 2002 المؤرخ في 16 سبتمبر 2002 والذي رسخ التعديل المذكور في نسبة الفائدة كما أضاف إجراءات جديدة تتجه جميعها إلى تسهيل و توجيه القرض نحو البناء والاقتناء من الباعثين العقاريين (المقاولين) وذلك عبر:
-        الرفع من سقف القرض من 10 آلاف دينار إلى 15    ألف دينار.
-        فتح إمكان الاقتراض للزوجين في نفس الوقت للحصول على قرضين متوازيين في حدود شروط الأجر دون المساس بالجزء الذي لا يقتطع من الأجر أي 40 ٪ .
-        تسهيل إجراءات الرهن العقاري بالسماح بمساواة الرتبة الأولى بين البنك التجاري والصندوق المقرض بعد أن كانت الأولوية في الرهن( الرهن من الدرجة الأولى ) للصندوق المقرض فقط .
-        فتح إمكانية الاقتراض مرتين في الحياة المهنية لكلا الزوجين بشرط خلاص القرض الأول .
-         فتح إمكانية توجيه القرض لاقتناء أرض صالحة للبناء على قدم المساواة مع اقتناء المساكن الجاهزة . 
تبين ان  سياسة القرض  الاجتماعي كما عرضنا لها تنتهي باستمرار  إلى الانحصار في فئة الأجور المرتفعة وتقصي  كل ذي دخل ضعيف ( يقل عن ثلاثة أضعاف الأجر الأدنى ) فصارت أموال الضمان الاجتماعي ( الأرصدة والاستثمارات ) تتجه اتجاها فئويا   [xxxii] فصار يطرح على هامش هذه السياسة نقاش مستفيض حول القدرة الشرائية للفئات الضعيفة الدخل التي تكالبت في أواسط التسعينات على قروض اقتناء السيارات.  
ويمكن من خلال مثال كمي بسيط بالعودة إلى إحصائيات الصندوق( الحولية الإحصائية لسنة 1998 ) و التوزيع الواقعي للمضمونين بحسب فئات الأجور أن نعرف الحجم الحقيقي لكل فئة اجر في الضمان الاجتماعي لنعرف موقعها من  الاستحقاق على أساس الأجر ، كأن نعرف مثلا حجم فئة الأجور التي تفوق ثلاثة أضعاف الأجر الأدنى و إمكانية الاستفادة من الإقراض الاجتماعي وهو ما قد يسمح لنا بمعرفة ” الحق “ الفعلي لكل فئة لنعرف من   يستفيد من المنفعة النوعية الأكبر .
وفي محاولة للتدليل على ما سبق ذكره حاولنا تطبيق ذلك على فئات الأجور ( المضمونين الاجتماعيين في سنة معينة 1998 وفي نظامي الأجراء في النظام العام للضمان الاجتماعي ونظام الأجراء في القطاع الفلاحي المحسن ونظامي العملة غير الأجراء في القطاعين ) وباعتبار الأجر الأدنى القاعدي مساو لمائة وثمانين دينارا( 180 د :  الأمر عدد 1674 لسنة 98 المؤرخ في 26-8-98 ) فتوصلنا إلى النتيجة التالية .
-        المضمونون الاجتماعيون في النظام العام سنة 1998 : 906،056 آلاف .
عدد الذين تقل أجورهم عن 3،5 من الأجر الأدنى : 803،717 آلاف أي بنسبة 88،7 ٪
عدد الذين تفوق أجورهم 3،5 من الأجر الأدنى : 102،339 آلاف أي بنسبة 11،3 ٪ .
-        المضمونون الاجتماعيون في النظام الفلاحي المحسن سنة 1998 : 56،358 ألفا 
عدد الذين تقل أجورهم عن 3،5 من الأجر الأدنى : 55،920 ألفا أي بنسبة 99،23 ٪
عدد الذين تفوق أجورهم 3،5 من الأجر الأدنى : 0،438   ألفا أي بنسبة 0،77   ٪ .
-        عدد المنخرطين بنظام العملة المستقلين لنفس السنة 155،252 ألفا .
الذين تقل شريحة مساهمتهم عن 4 أضعاف الأجر الأدنى :140،477 ألفا أي بنسبة 90،49 ٪ الذين تفوق قاعدة مساهمتهم 4 أضعاف الأجر الأدنى :14،775 ألفا أي بنسبة 9،51٪ .
فيكون مجموع الخاضعين للأنظمة الثلاثة التي تخول قانونيا الحصول على القروض دون حساب  أجراء النظام الفلاحي العادي يساوي 1117،666 ألفا ، ويكون المخولون  عمليا وفنيا للحصول على القروض ( باعتبار قاعدة الأجر فقط بقطع النظر عن الشروط الفنية الأخرى ) 117،552 وهو ما يقابل نسبة 10،5 ٪ فقط من المخولين قانونا .
وهو ما يدفع إلى القول في النهاية ان اجتماعية القرض الاجتماعي تقاس بمدى تعدد المستفيدين الفعليين منها وليس المخولين نظريا بعموم النص القانوني والقول بالخصوصية أو التميز لا يعدو كونه عملا اجتماعيا نعم ولكن مع القادرين على الدفع.


[i]  انعكاس الوعد بالمنفعة على الاستقرار المهني، موضوع بحث بذاته. مثلما يمكن توليد فروع أخرى منه كالعلاقة بين الاستقرار المهني بغية الحصول على المنافع وتراجع العمل النقابي - المتسيس والمتسربل بالاحتجاج المطلبي الاجتماعي كما يمكن تطوير القول في الإقراض الاجتماعي من وجهة نظر العلوم السياسية البحتة بصفته أداة للضبط الاجتماعي والمراقبة والتوجيه عن بعد للهندسة الاجتماعية كوسيلة من وسائل الدولة الاجتماعية أو الكافلة من منطلق توزيع الغنيمة - العطاء واستقطاب الولاء غير أن هذا يتطلب توسيع نطاق البحث إلى مختلف فروع القرض ذي الصبغة الاجتماعية حتى الصادر منه عن المؤسسة البنكية التجارية لا فقط مؤسسة الضمان الاجتماعي حيث نريد أن نركز المقال .
 
[ii] نوح العذارى. مقالات في الضمان الاجتماعي  ص 356 وما بعدها.( نشر على الحساب الخاص ) : قرافيماد 1996 .
[iii] ان المتتبع لتطور منافع الضمان الاجتماعي المختلفة بشيء من التدقيق يجد ان إحداث منافع في حقل الضمان الاجتماعي كان يتم إلى حدود بداية الثمانينيات في القطاع العام ثم ينسج على منواله في القطاع الخاص حيث انقلب الآية بعد ذلك التاريخ لتصير منافع القطاع العام تنسج على منوال ما يحدث في القطاع الخاص ولذلك أسباب تتعلق خاصة بقدرة المؤسسة العمومية على تمويل منافع منظوريها الاجتماعية وهو مبحث هام لا يمكن لهذه الورقة المحدودة ان تستوعبه .
[iv] قد يكون هذا المطلب رفع فعلا وبصفة علنية في بداية الثمانينيات المضطربة والخارجة من أزمة نقابية حادة غير ان العودة إلى صحافة المرحلة وما يمكن ان تكون قد تضمنته من نقاش حول هذا الأمر لم تسع

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر