انوار

ليس لدي مشروع اعتداء على احد

الثلاثاء,آذار 21, 2006


 

ترجمة كتاب: (sur le paupérisme)

لكاتبه

ALEXIS DE TOCQUEVILLE ألكسيس دي توكفيل

بعنوان

مقـــالتــان في العـــوز

نشر آليا (ALLIA) باريس

جانفي 1999

 

ترجمة: نور الدين العلوي

 


المقـــــــــــــــــالة  الأولى:  في تفاقم العوز عند المعاصرين

                              والوسائل المعتمدة في مكافحته

 

الجزء الأوّل .

عندما نسير في مختلف الأصقاع الأوروبية فإن مشهدا خارقا للعادة وغير مفهوم في الظاهر يصدمنا.

كانت البلدان التي تبدو أشدّ بؤسا هي التي تضم في الواقع أقل ما يمكن من الفقراء، أمّا عند الشعوب التي تعجبون بغناهـا فإن جزءا من السكان يضطر للاستعانة بأعطيات الآخرين ليعيش.

اعبروا أرياف إنجلترا، ستعتقدون أنكم سابحون في جنة عدن الحضارة المعاصرة. طرقات مصانة بعناية، ومنازل ظليلة ونظيفة، وقطعان سمينة تتهادى في حقول غنية، وفلاحون مليئون بالقوة والنشاط، والثروة أشد إبهارا مما هي في كلّ بلدان العالم، والمبالغة في أبسط أشكال الرفاه أظهر ما تكون من أي مكان في العالم، في كلّ مكان [تتجلّى](1) مظاهر الصحة والبحبوحة والدّعة [إنها] حالة من الازدهار الكوني حتّى ليظن المرء أنه يتنفسها مع الهواء وهو ما يجعل القلب يختلج مع كلّ خطوة، هكذا كانت تظهر إنجلترا للنظرات الأولى للسائح.

أنفذوا الآن إلى داخل البلدات، وافحصوا دفاتر الكنائس الريفية(2) وستكتشفون بذهول غير قابل للتفسير، إن سدس سكان هذه، المملكة المزدهرة يعيش عالة على الإحسان العمومي.

حتّى إذا وسعتم  حقل ملاحظاتكم إلى إسبانيا وخصوصا إلى البرتغال فإن مشهدا مغايرا تماما سيصدم بصركم. ستلاقون في طريقكم سكانا سيئي التغذية، مهلهلي الملابس، جهلة وبذيئين يعيشون وسط أرياف نصف مزروعة وفي منازل بائسة، في البرتغال رغم ذلك فإن عدد المعوزين ضعيف. ويقدر السيد دوفيل  نوف (De Villeneuve)  أنه يوجد في المملكة فقير من كلّ خمسة سكان ولقد أشار الجغرافي المشهور بالبي BALBI إشارة سابقة إلى أن هناك معوزا من كلّ ثمانية وتسعين ساكنا.

وعوض مقارنة الأصقاع الأجنبية بعضها ببعض، قابلوا بين الأجزاء المختلفة لإمبراطورية واحدة، وستصلون إلى نتائج متماثلة، سترون زيادة تناسبية بين الذين يعيشون في رفاهية من ناحية وعدد الذين يضطرون إلى العيش على الأعطيات العمومية من ناحية أخرى يبلغ معدل الفقراء فقيرا من كلّ عشرين ساكنا بحسب تقديرات كاتب مخلص وحريص(3) أنا أقل منه حرصا وهو ما يثبت كلّ النظريات [في هذا العدد] لكننا نلاحظ فروقا شاسعة بين الأجزاء المختلفة للمملكة ففي مقاطعة الشمال   (4) وهي الأغنى بدون شك و الأكثف سكانا والأكثر تقدما في كلّ المجالات يعد السكان الذين يطلبون المساعدة حوالي السدس، في منطقة كروز (Creuse) الأفقر والأقل تصنيعا من كلّ مناطقنا لا يمكن مصادفة سوى معوز من كلّ ثمانية وخمسين ساكنا، في ذات الإحصاء فإن منطقة المانش (La manche) ليس بها إلاّ فقير من كلّ ستة وعشرين ساكنا. وأظن أنه ليس مستحيلا أن نقدم تفسيرا معقولا لهذه الظاهرة، إن الأثر الذي أشرت إليه يعود إلى أسباب عامة يطول التعمّق في [شرحهــا] ولكن يمكننا على الأقل الإشارة إليها.

 ولتفْهَمَ فكرتي جيّدا [في هذا الغرض] فإني أجد ضرورة الصعود لبرهة إلى منبع المجتمعات الإنسانية وسأنحدر بعد ذلك سريعا مع نهر الإنسانية إلى يومنا الحاضر.

هاهم الناس يتجمعون لأوّل مرّة، يخرجون من الغابات متوحشين بعد  ويتشاركون لا ليتمتعوا بالحياة ولكن ليجدوا وسائل للعيش: مأوى من تقلبات الفصول وغذاء كاف وكان هذا موضوع جهدهم. ولا يذهب تفكيرهم إلى أبعد من هذه الحاجات. وإذا حصلوا عليها بدون عناء فإنهم يرضون بواقعهم وينامون في سعادتهم الكسولة. لقد عشت وسط القبائل المتوحّشة في أمريكا الشمالية وتألمت لحالها. لكنها لم تكن تجد عيشها قاسيا، ينام الهندي وسط دخان كوخه ملتفا بملابس خشنة صنعها بيده أو هي ثمرة صيده وينظر إلى فنوننا بشفقة ويعتبر الخضوع لحضارتنا مرهقا ومخجلا ولا يحسدنا إلاّ على أسلحتنا.

كان لدى الناس عندما وصلوا إلى العمر الأوّل للمجتمعات رغبات قليلة ولا يحسّون إلاّ الحاجات المشابهة لحاجة الحيوانات ولم يكن اكتشافهم للتنظيم الاجتماعي إلاّ لترضية هذه الحاجات بعناء أقلّ. وقبل أن تكون الفلاحة معروفة لديهم عاشوا من الصيد، ومنذ اللحظة التي تعلّموا فيها أن يجعلوا الأرض تنتج لهم محاصيل صاروا فلاحين. ويستخرج كلٌّ من حقله ما يستطيعه ويقسط على غذائه وغذاء أطفاله، لقد ولدت الملكية العقارية ومعها رأينا ميلاد عنصر التقدّم الأكثر نشاطا.

منذ اللحظة التي يمتلك فيها الناس الأرض فإنّهم يستقرون ويجدون في فلاحة الأرض مصادر وفيرة ضد الجوع وإذ يطمئنون على قوتهم فانهم يبتدئون في التزاور ليكتشفوا أن في الوجود الإنساني متع أخرى غير ترضية الحاجات الأولية الدنيا للحياة.

ما كان التفاوت ليظهر بصفة دائمة بين الناس عندما كانوا صيادين هائمين. ولم تكن توجد أبدا علامة خارجية يمكـنها أن ترسى تفوّقا دائما لإنسان على إنسان آخر وخصوصا لأسرة على أسرة أخرى. وحتى إذا وجدت هذه العلاقة فإنها ما كانت لتورّث للأبناء. ولكن منذ اللحظة التي عرفت فيها الملكية العقارية وحوّل فيها الناس الغابات الشاسعة إلى  أحواز غنية وإلى حقول خصبة، منذئذ عاش أفراد مجتمعين وبأيديهم أرض أكثر مما ينبغي ليعيشوا و[فوق ذلك] يخلّدون ملكيتهم بين أيدي خلفهم. منذئذ وجد الفائض ومع الفائض تولّدت رغبة الحصول على متع أخرى غير ترضية الحاجات الضرورية للطبيعة البشرية.

وفي هذه المرحلة من عمر المجتمعات يجب وضع أصل جميع الأرستقراطيات تقريبا.

في الوقت الّذي كان البعض قد عرف فن جمع الثروة والسلطة إلى مختلف أشكال اللذة الفكرية والمادية التي يمكن أن يتيحها الوجود. كانت العامة نصف المتوحّشة تجهل بعد سرّ نشر الرفاه والحرية على الجميع. في هذه الفترة من تاريخ النوع الإنساني كان الناس قد نسوا فضائل العزّة البدائية، دون أن يمتلكوا ما يمكن أن تعطيه الحضارة [من فضائل] كانوا في تمسكهم بفلاحة الأرض كمصدر وحيد للحياة يجهلون كيفية الدفاع عن ثمرة أعمالهم. وفي موقعهم بين الاستغلال المتوحش الذي لم يعد في متناولهم والحرية المدنية والسياسية التي لا يفهمونها بعد، وجدوا أنفسهم بدون مساعدة، عرضة للعنف والتحايل، يحتملون كلّ أشكال الغطرسة ليظلوا على قيد الحياة أو بالأحرى ليظلـــوا يسيمون في مزارعهم.

هكذا إذن تجمعت الملكية العقارية والحكم في أيد قليلة ولم تعد الحرب تؤدي إلى انهيار الوضع السياسي للشعوب كما يحصل الآن. وإنما تهدد الملكية الفردية لكل مواطن، وهكذا بلغ التفاوت حــــدوده القصوى، وهكذا رأينا انتشار روح الغزو والتملّك التي كانت بمثابة الأب لكل الأرستقراطيات التي دامت.

إن البرابرة الذي اجتاحوا الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع كانوا متوحشين وقدروا أن الملكية العقارية تمثل شيئا مفيدا ولكنهم أرادوا الحصول على فوائدها فقط، وقد كانت أغلب المقاطعات التي هاجموها عامرة بسكان مرتبطين منذ زمن بفلاحة الأرض وكانت طباعهم قد وهت بفعل انشغالاتهم الهادئة في الحقول ولكن الحضارة لم تكن قد تقدمت فيهم إلى الدرجة التي تجعلهم يقاومون الشراسة البدائية لأعدائهم. ولم يضع النصر بين أيدي البرابرة، الحكم فقط بل وضع كذلك تملّك الآخرين، وصار الفلاح من مالك إلى مستأجر، ومرّت اللاّمساواة من الواقع إلى القوانين وصارت حقا بعد أن  كانت فعلا.

وتنظم المجتمع الإقطاعي وشهدنا ولادة العصر الوسيط. فإذا انتبهنا إلى ما يحصل في العالم منذ بداية المجتمعات فإننا سنكشف بدون عناء إنّنا لا نصادف المساواة إلاّ في طرفي الحضارة النقيضين.

إن المتوحشين متساوون فيما بينهم لأنهم ضعاف وجهلة بنفس القدر. والناس المتحضرون يمكنهم أن يتساووا جميعهم لأن بين أيديهم جميعا وسائل متماثلة للوصول إلى الرّفاه والسعادة. وبين هذين الطرفين يوجد التفاوت في الشروط، الغنى و  البهرج والسلطة لدى البعض القليل، والفقر والجهل والضعف عند البقية الباقية.

لقد عمل مفكرون وكتاب أفذاذ لكشف العصور الوسطى ويعمل آخرون ومن ضمنهم يمكن ذكر أمين سر الجمعية الأكاديمية بشاربورغ Cherbourg، لذلك أترك هذه المهمة لرجال أكفأ مني يقومون بها. فلا أريد هنا إلاّ أن أعالج زاوية من اللّوحة الشاسعة التي تعرضها القرون الإقطاعية أمام أعيننا.

في القرن الثاني عشر لم يكن وجد بعد ما يمكن أن يكون حالة ثالثة، كان السكان منقسمين إلى فئتين، فئة من يفلحون الأرض ولا يمتلكونها من ناحية وفئة الذين يملكون الأرض ولا يفلحونها من ناحية ثانية.

إني أتصوّر أن حالة الطبقة الأولى من السكان من وجهة نظر محدّدة كان أقل سوءا من مصير عامة الشعب في أيامنا هؤلاء الذين شكّلوا هذه الطبقة كانوا أكثر حرية ورفعة وأصوب خُلقا من عبيد مستعمراتنا. فأسباب وجودهم كانت دائما مضمونة وكانت مصلحة "مالكهم" تلتقي من هذه الزاوية مع مصلحتهم. كانوا واقفون عند حاجتهم مثلما هم مكتفون بسلطتهم. بدون ألم الحاضر. مطمئنّون على مستقبل لا يملكونه. كانوا يتمتعون بذلك النوع من السعادة النباتية التي يسهل على الإنسان المتحضر أن ينفي وجودها من أنّ يفهمها.

وتقدّم الطبقة الأخرى مشهدا مضادا فتجمع إلى الرفاه الموروث تقاليد استعمال فائض كبير ومضمون. ولا أميل إلى الاعتقاد أن هذه الطبقة المحظوظة بدورها قد ذهبت في التمتع بالحياة إلى المدى الذي نتخيله عادة. يمكن [إذن] أن يوجد الغنى في مجتمع نصف متوحش ولكن يمكن أن توجد الرّفاهية. فالرفاهية تقتضي وجود طبقة عريضة يهتم كلّ أفرادها في نفس الوقت بـجعل الحياة أكثر نعومة وهناء في حين أنه في التاريخ الذي أتحدّث عنه كان عدد الذين لا يهتمون فقط لنعومة الحياة قليل جدّا. كانوا مشهورين ومزدهين ولكن غير مرفّهين كان [الفرد منهم] يأكل بيديه في قصاع من الفضة والفولاذ المنقوش بحذق وكانت ملابسه مكسوة بالفرو والذّهب، فلم يكن القماش معروفا. وكان يسكن قصورا تكسو الرطوبة جدرانها، ويجلس على مقاعد خشبية منقوشة جيّدا، حول مدافئ تحرق فيها أشجار بكاملها دون أن تنشر الدفء من حوله.

أنا على قناعة بأنه ليس هناك [الآن] مدينة في الأقاليم لا يجمع سكانها في بيوتهم من وسائل الراحة أكثر  ممــا كان يجمع أي بارون متغطرس من العصور الوسطى في مسكنه. وأنهم لا يجدون من وسائل ترضية آلاف الحاجات التي تولدها الحضارة أكثر مما كان يجد.

إذا أمعنا  النظر في العصور الإقطاعية سنكتشف أن الغالبية من السكان كانت تعيش بدون مطالب تقريبا وأن البقية لا تعبر إلاّ من القليل منها. كانت الأرض إن صحّ القول تكفي الجميع ولم يكن الرفاه في أي من الأمكنة لكن القوت كان في جميعها. لقد كان ضروريا أن أثبت نقطة الانطلاق هذه لأستطيع تبليغ ما أريد قوله.

وكلما تقدّم الزمن كان السكان الذين يفلحون الأرض يطوّرون رغبات جديدة فلم تعد تلبية الحاجات الأولية ترضيهم. أراد الفلاح دون أن يغادر حقله أن يحسّن هناك ظروف سكنه و ملبسه لقد تحسس نعومة الرفاه ورغب في امتلاكها. ومن جانب آخر فإن الطبقة التي تعيش من الأرض دون أن تفلحها وسعت دائرة متعها. صارت لذائذها أقل بذخا ولكن أكثر تعقيدا وأكثر تنوعا، وجاءت ألف حاجة مما كان مجهولا لدى نبلاء العصور الوسطى تستثير أحفادهم وغادر عدد كبير من الناس ممن كان يعيش من الأرض وعليها حقولهم ووجدوا وسيلة لتدبير وجودهم بالعمل على ترضية هذه الحاجات الجديدة التي تظهر، وصارت الفلاحة التي كانت شغل الجميع، شغل العدد الأكبر [فقط]. والى جانب أولئك الذين يكتفون بإنتاج الأرض بدون عمل جاءت طبقة أخرى وافرة العدد تعيش من العمل في الصناعة دون أن تفلح الأرض.

كلّ قرن وهو يفلت من بين يديّ الخالق يأتي ليطوّر الفكر الإنساني لتوسيع دائرة التفكير وزيادة الرغبات ومضاعفة قوة الإنسان [كان] الغني والفقير كلّ في دائرته، يخلق متعا جديدة كان سابقوه يجهلونها ولترضية الحاجات الجديدة التي لم تعد فلاحة الأرض تفي بها فإن قسطا كبيرا من السكان يغادر كلّ سنة العمل في الحقول ليتفرغ للصناعة.

إذا لاحظنا بانتباه ما يحصل في أوروبا منذ عدة قرون فإننا نقتنع باستمرار بأنه كلما تقدمت الحضارة كلما تنقل السكان تنقلا كبيرا. كان الناس يتركون المحراث ليمتطوا العربة وليتخذوا المطرقة، ومن الكوخ كانوا يمرون إلى الصناعة اليدوية وبفعلهم ذاك كانوا يخضعون للقوانين الثابتة التي تقود تقدم المجتمعات المنظمة. ولا يمكننا بحال أن نضع حدّا لهذه الحركة مثلما لا يمكننا أن نضع حدا لقابلية الإنسان للاكتمال فحدّ كلّ منهما لا يعرفه إلاّ الله.

لقد أحدثت كميّة كبيرة من الخيرات في العالم والطبقة التي بقيت تفلح الأرض وجدت في متناولها كثيرا من المتع التي لم يكن يعرفها القرن الماضي وصارت حياة المزارع أنعم وأسهل وحياة ملاك الأرض أكثر تنوعا وأكثر رياشا وصار الرّفاه في متناول أكبر عدد ممكن من الناس ولكن ما كانت هذه النتائج لتحصل بدون دفع الثمن.

لقد قلت إن الرفاه لم يوجد في العصور الوسطى ولكن القوت كان في متناول الجميع وهذه الكلمة تلخص بصفة مسبقة ما سيأتي بيانه.

فعندما كانت غالبية السكان تعمل في فلاحة الأرض كان هناك فقر كثير وأخلاق مبتذلة وجافة ولكن الحاجات الأساسية للإنسان كانت ملبّاة ومن النادر أن لا توفّر الأرض لمن سقاها بعرقه ما يسدّ به رمقه.

كان الناس بؤساء ولكنهم كانوا يعيشون، أما اليوم فإن السكان أسعد [مما كانوا] لكننا نصادف دائما أقلية توشك أن تموت من الحاجة إذا تأخّر عنها الدّعم العمومي.

مثل هذه النتيجة يمكن أن يفهم بسهولة، إذ ينتج المزارع مواد أساسية وضرورية يكون منسوبها مجزيا ومضمونا تقريبا  إذا حدث عارض منع من تسويق منتجات الأرض فإن هذه الغلة توفّر في أسوء الحالات لمن جناها ما يقتات به وتسمح له بانتظار وقت أنسب.

وعلى العكس من ذلك فإن العامل يبادل في حاجات مصطنعة وثانوية يمكن لألف سبب أن يحدّ منها ويمكن لأحداث كبيرة أن تقطعها تماما.

مهما كان الزمن سيئا ومهما كان غلاء الحاجات أو رخصها فإنه يجب أن تتوفر لكل إنسان كمية من الغذاء بدونها يذوي ، إذا لم  يبذل جهدا خارقا ليتدبرها.

لكن مصادفات سيئة قد تجعل الناس يتخلون عن بعض المتع مما كانوا يسمحون بها لأنفسهم في وقت سابق. في حين أن العامل يعتمد على هذه المتع وهذه المباهج ليعيش فإذا افقتدها فإنه يخسر مصادر رزقه [أي] أن موسمه يحترق وحقوله يصيبها العقم فإذا دامت الحالة فليس أمامه إلاّ الموت والبؤس الرهيب.

ولم أتحدث إلاّ عن الحالة التي يكون فيها السكان قد حدّوا من حاجتهم إذ هناك أسباب أخرى كثيرة يمكن أن تؤدي إلى [ما ذكرت] من أثر كالإنتاج الفائض عند الفلاحين الكبار والمنافسة الخارجية...

إن الطبقة الصناعية التي تصنع كلّ رفاه الطبقات الأخرى هي الأكثر عرضة للمصائب التي تقع والتي لا جبر لها. في هذه الورشة الكبيرة للمجتمعات الإنسانية فإني اعتقد كما لو أن الطبقة الصناعية قد تلقّت رسالة خاصة وخطيرة من الله أن تحمل على كاهلها مسؤولية تحقيق السعادة المادية لكل الآخرين. في حين أن الحركة الطبيعية والنهائية للحضارة تتجه بلا توقف إلى زيادة حجم الذين يكونونها [فمع] تضاعف وتغاير الحاجات كلّ سنة يزيد عدد الأشخاص الذين يرغبون في خلق سعادتهم الكبرى بتفضيل ترضية الحاجات الجديدة على البقاء مشتغلين بالفلاحة وهو موضوع جدير بالتأمل من قبل رجال الدولة في أيامنا.

إلى هذا السبب بالأساس يجب أن ينسب ما يحدث في المجتمعات الغنية حيث يلتقي الرفاه بالعوز بمعدلات أرفع مما في أي مكان آخر [هذه] الطبقة الصناعية التي تنتج ليتمتع أكبر عدد ممكن تتعرض هي نفسها إلى بؤس لا علم لأحد به تقريبا.

ماذا لو لم تكن هذه الطبقة قد وجدت؟ ومع ذلك فإن أسبابا أخرى تساهم في تنامي العوز. يولد الإنسان ولديه حاجات ويخلق لنفسه حاجات أخرى تعود الأولى إلى طبيعته الجسدية بينما تعود الثانية إلى العادة والتربية. لقد بينت أنه لم يكن للناس في بداية المجتمعات إلاّ الحاجات الطبيعية ولا يسعون إلاّ للعيش. ولكن مع اتّساع متع الحياة اعتاد الناس أن يستسلموا لبعض هذه المتع وتحوّلت هذه بالتدريج إلى ضرورة مثل الحياة نفسها. وسآخذ مثالا [على ذلك] التبغ لأن التبغ مادة [من مواد] البذخ التي وصلت إلى الصحراء نفسها وقد خلق [التبغ] لدى المتوحشين متعة مصطنعة جعلته مطلوبا بأي ثمن.

إن التبغ ضرورة لا غنى عنها لدى الهنود مثله مثل الغذاء وهم قد يتذللون لمماثليهم إذ فقدوا هذه المادة أو تلك، لديهم إذن سبب للتسوّل غير معروف لأضرابهم وما قلته عن التبغ ينطبق على عدد واسع من الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة المتحضّرة. كلما كان المجتمع غنيا ومصنّعا ومزدهرا كلما تنوعت متع الغالبية فيه ودامت. وكلما تنوعت ودامت كلما صارت بحكم الاستعمال والاقتناء مثالا للضرورات.

إن الإنسان المتحضر إذن أكثر عرضة من الإنسان المتوحش لتقلبات الدهر. وما يحصل للثاني في فترات متباعدة وفي بعض الملابسات يمكن أن يحصل للثاني باستمرار وفي ملابسات عادية جدّا. مع دائرة متعه وسّع الإنسان دائرة حاجاته ويترك مكانا واسعا للمصادفات الحسنة.

من هنا فإن فقير إنجلترا يبدو غنيا لفقير فرنسا الذي يبدو غنيا للمعوز الأسباني. ما ينقص الإنجليزي لم يكن أبدا في متناول الفرنسي. وهذا يسري كلما نزلت في السلم الاجتماعي. في الشعوب المتحضرة جدّا يؤدي فقدان الكثير من الأشياء إلى البؤس [أما] في حالة التوحّش فإن الفقر يعني أن لا يجد [المرء] ما  يأكله.

إن التقدّم لا يعرّض الناس لأشكال جديدة من البؤس وإنما يمكن المجتمع من تخفيف بؤس لم يكن يمكن التفكير في تخفيفه في دولة نصف متمدنة. في مجتمع تكون فيه الأغلبية سيئة الملبس والمسكن والغذاء من يفكر في إعطاء الفقير ملابس نظيفة أو غذاء صحيّا أو منزلا مريحا. أما عند الإنجليز ولأن العدد الأكبر يمتلك هذه الخيرات فإن عدم التمتع بهذا ينظر إليه كشرّ مستطير ويعتقد المجتمع أن من واجبه أن يسارع إلى مساعدة المحرومين من الخيرات ومعالجة الآلام التي لا يتوقع وجودها عند غيره.

في إنجلترا  يعلو معدّل المتع التي على الإنسان أن يرتجيها على معدل أي بلد في العالم وهذا بالذات ما سهّل انتشار العوز في هذه المملكة.

إذا كانت هذه الأفكار صحيحة فإننا ندرك دون عناء أنه كلما كانت الأمم غنية كلما كان عدد الذين يحتاجون المساعدة العمومية في تكاثر لأن سببين هامين يؤديان إلى هذه النتيجة، من ناحية لأن الطبقة المهددة بهذه الضرورات تزداد دون توقف لدى هذه الأمم ومن ناحية أخرى فإن الضرورات نفسها تزداد وتتنوع إلى ما لا نهاية ومناسبة انكشاف حاجات البعض تزداد تردّدا كلّ يوم.

يجب أن لا نستسلم إذن لأوهام خطيرة لنمعن النظر في مستقبل المجتمعات الحديثة، نظرة هادئة ومتأتية، يجب أن لا نستسلم لتشوه عظمة المشهد. لا يجب أن نثبط لمظهر البأساء.

فكلّما تواصلت حركة ازدهار الحضارة كلما رأينا تنامي رفاه أكبر عدد ممكن من [الناس] سيصير المجتمع أكثر إتقانا وعلما وسيكون الوجود أسهل وأنعم وأكثر رياشا وأطول ولكن لنعرف كيف نتحوّط فعدد الذين سيلتجئون إلى طلب مساعدة مماثليهم للحصول على جزء بسيط من حاجتهم سيتضاعف بدون توقف.  يمكننا تخفيف سرعة هذه الحركة المتسارعة و[كبح] الظروف الاستثنائية التي تجد فيها الشعوب نفسها ستسارع من نسقها أو تعلقه ولكن ليس بإمكان أحد أن يوقفها.

لنسارع إذن في البحث عن الوسائل الكفيلة بمعالجة هذه الآلام التي لا يمكن اجتنابها ولكن يسهل توقعها بعد.