القسم الثاني من الرسالة
انه لتقليد قديم ذلك الذي انتقل من مصر إلى اليونان والذي يرى إن مخترع العلوم كان إلها معاديا للإنسان. [1] ما هي الفكرة التي كان حملها المصريون عن العلوم و قد ولدت بينهم . لقد كانوا يرون من قريب المصادر التي نبعت منها العلوم وبالفعل إنا لا نجد تفسيرا للرغبة في التعلم التي تتملك الإنسان سواء ورقنا[2] [لذلك ] الحوليات العالمية أو سلمنا لبعض الأبحاث غير اليقينية للكتابات الفلسفية.
ولد علم الفلك من التشاؤم (الطيرة )، وولدت البلاغة من الطموح والحقد والغرور والكذب، و ولدت الهندسة(علم المساحة ) من البخل (الشح)، وولدت الفيزياء من حب إطلاع عقيم . وجميعها بما في ذلك الأخلاق ولدت من الغرور الإنساني . إن العلوم والفنون مدينة بوجودها لفسوقنا وكنا سنكون أقل شكا
إن فساد المنشأ لا يزداد أمام أنظارنا إلا جلاء من خلال مواضيعها. ماذا يمكن أن نفعل بالفنون دون الرفاه الذي يغذيها ؟ لما تصلح العدالة دون اللامساواة بين الناس ؟ ماذا يكون التاريخ لو لم يكن هناك طغاة وحروب ومتآمرون ؟ ماذا يعني -باختصار- أن يقضي الإنسان عمره في تأملات عقيمة ؟
لو كان كل واحد[منا ] لا يقوم إلا للواجب وما تتطلبه الطبيعة ولا يبذل وقته إلا للوطن وللتعساء و لأصدقائه ؟ هل وجدنا لنموت مربوطين إلى حافة البئر التي انزوت فيها الحقيقة [3].
يجب أن يغير هذا التفكير منذ البداية مسار كل إنسان سيسعى بجدية للتعلم بدراسة الفلسفة . لـــيس [ هناك ] إلا الأخطار، وليس إلا المسالك الخاطئة للبحث العلمي، كم من الأخطاء غير الضرورية والأشد خطرا ألف مرة من الحقيقة [المبتغاة ] لا يجب المرور بها للوصول إلى الحقيقة .إن المساوي واضحة لان الخطأ قادر على ما لا نهاية له من التعقيدات.لكن ليس للحقيقة إلا طريقة واحدة للوجود ومن فوق ذلك يبحث عنها بإرادة حقيقية ؟ وما هي العلامة التي تدلنا عليها . ما هي الشروط الفعلية (Critérium) [4] للحكم الصائب في هذه الكوكبة من الأحاسيس المختلفة [5]. والأشد عسرا من [كل ذلك ] و إذا توفقنا للعثور عليها أخيرا فمن منا يكون قادرا على استعمالها استعمالا جيدا ؟ [6] وإذا كانت علومنا غير مجدية في المواضيع التي تتناولها فإن الآثار المترتبة عنها تبدو أشد خطرا .ولأن هذه العلوم ولدت داخل الكسل[7] فإنها تعود بدورها لتنتعش من الكسل .أما الخسارة الأولى التي تسببها للمجتمع فهي بالضرورة ضياع الوقت غير القابل للاستدراك . في السياسة كما في الأخلاق يعتبر من السوء البالغ إن لا يقوم المرء بفعل الخير وكل مواطن غير مفيد يمكن أن ينظر إليه كانسان مفسد .
أجيبوني إذن أيها الفلاسفة العظام انتم الذين نعرف من خلالكم الأسباب التي تجعل الأجسام تتجاذب في الفراغ [8](vuide) . في ثورات الكواكب ما هي العلاقات بين المسافات المقطوعة في أزمنة متساوية؟
ما هي منحنيات النقاط المتحدة ونقاط الانحراف والارتداد ؟ كيف يرى الإنسان أن الكل في الله؟ كيف للروح وللجسد أن يتخاطرا ؟ وكيف تتوافق ساعتان ؟ وأي الكواكب يمكن أن يكون مسـكونا؟ و أي الحشرات تتوالد بطريقة خارقة للمألوف ؟.
أجيبوني أقول [ لكم ]، انتم الذين تلقينا منكم كما من المعارف السامية، لو لم تكونوا علمتمونا هذه الأشياء هل كنا نكون أقل عددا ؟ أو هل كنا سنحكم بشكل أقل سوءا أو أقل خطرا ؟ هل كنا نكون أقل ازدهارا أو أكثر شذوذا ؟
عودوا إذن إلى أهمية ما أنتجتم فإذا كانت أعمال علمائنا الأكثر استنارة وأعمال الأحسن من مواطنينا لا تقدم لنا من الفائدة إلا أقلها، فقولوا لنا ما الذي يجب أن نظن بهذه الكوكبة من الكتاب الغامضين والمتعالمين الكسالى الذين يلتهمون مقدرات الدولة فيخسرونها [خسرانا][9].
هل قلت كسالى؟ ليت الله جعلهم كذلك فعلا لتكون القيم أنقى والمجتمع أكثر سلاما ،لكن هؤلاء المنشدين الفاسدين التافهين يتكالبون من كل اتجاه مسلحين بتناقضاتهم المنحطة يطعنون في أسس العقائد ، وينفون الفضيلة ويضحكون بازدراء لتلك الكلمات العتيقة كالوطن والدين ويوجهون مواهبهم قدراتهم وفلسفتهم لتحطيم وإهانة كل ما هو مقدس عند الناس .
إنهم في الحقيقة لا يكرهون الفضيلة ولا يكرهون مسلماتنا، إنهم يعادون الرأي العام. ولإعادتهم أمام المذبح المقدس يكفي أن يصنفوا ضمن الملا حدة .
أيتها الرغبة في الظهور أي شر يعجزك[10] ؟
انه لشر أكبر من الإفراط في استهلاك الوقت، هناك آلام أشد تتبع الآداب والفنون مثل الرفاه الذي ولد من الكسل والغرور .إن الرفاه قلما يوجد بدون العلوم والفنون ولا يمكنهما أن يوجدا بدونه .إني أعرف[11] فلسفتنا ، فهي غنية جدا بالحكم الفريدة، وهي تزعم بخلاف ما أثبتته تجربة كل العصور، إن الرفاه يصنع عظمة الدول . ولكن بعد تناسيها لأهمية القوانين الجيدة هل تجرؤ الفلسفة على إن تنكر بعد، أن الأخلاق الجيدة ليست ضرورية[12] لدوام الإمبراطوريات.وان الرفاه ليس النقيض المطلق للقيم الجيدة [13]. إذا كان الرفاه علامة ثابتة على الثروات وإذا كان يفيدنا إذا أردنا مضاعفتها فما الذي علينا استنتاجه من هذا التناقض الذي نراه على أيامنا؟ ما الذي تصير إليه الفضيلة عندما يسعى في الغنى بأي ثمن ؟
يتحدث السياسيون القدامى بدون توقف عن القيم والفضيلة أما سياسيونا فلا يتحدثون إلا عن التجارة والمال . يقول لكم بعضهم أن الرجل يساوى كذا لو بيع مثلا في بلاد الجزائر . ويقول لكم آخر متبعا نفس القاعدة الحسابية أن هناك بلدان لا يساوي فيها الناس شيئا وأخرى فيها ناس أقل من لا شيء. إنهم يقدرون الناس كما يقدرون قطعان الماشية [14]. بحسب رأيهم فان الإنسان لا يساوي عند الدولة إلا مقدار استهلاكه وبهذا فانه يمكن لفرد من (Sybarite) [15]أن يساوي ثلاثين فردا من مقدونيا . ولنتخيل [بعد ذلك ] أي من الجمهوريتين اسبارطا أو (Sybarite) التي أخضعت من قبل حفنة من الريفيين وأيهما جعلت آسيا ترتعد فرقا. إن مملكة القرش الأكبر أخضعها ثلاثون ألف رجل يقودهم أمير اشد فقرا من أفقر دهاقنة فارس . ولقد صمد شعب (Scythes) الأشد بوسا من كل الشعوب أمام أقوى ملوك الكون [16]. لقد كانت هناك إمبراطوريتان مشهورتان تتصارعان على العالم ، كانت واحدة منهما هي الأغنى بينما كانت الأخرى لا تملك شيئا، ولقد استطاعت الثانية أن تقهر الأولى .
والإمبراطورية الرومانية بدورها وبعد إن التهمت كل ثروات الكون صارت فريسة لقوم لا يعرفون حتى معنى الرفاه . لقد اخضع الفرنجة شعب ألغال (Les gaules) واخضع الساكسون( Les saxons) انجلترا دون أي ثروة أو سلاح إلا شجاعتهم وفقرهم .و لقد حطمت مجموعة من الجبليين الفقراء والذين لا يطمعون في أكثر من امتلاك بعض جلود الخرفان، وبعد أن أذلوا عزة النمسا ذلك البيت المخيف في( Bourgogne) والذي كان يجعل سادة أوروبا المطلقي السلطة ير تعودون رعبا.[17] وأخيرا فان كل قوة وعقل ورثة شارل كنت مدعومة بكل كنوز الهند تحطمت في مواجهة حفنة من الصيادين في (Haran) [18] .
ليتوقف سياسيونا عن حساباتهم ليتفكروا في هذه الأمثلة وليتعلموا لمرة انه يمكن أن نحصل بالمال كل شيء إلا أخلاق المواطنين .
لماذا يتعلق الأمر بالتدقيق في مسالة الرفاه؟ ما الذي تهتم له الإمبراطوريات أكثر ؟ أن تكون براقة وقصيرة الأمد أم فاضلة وخالدة ؟ وأقول براقة ولكن أية بريق ؟إن طعم البذخ لا يجتمع البتة مع طعم الشرف في ذات الأنفس. أبدا لا يمكن للأنفس المنحطة نتيجة العناية غير المجدية أن ترتقي إلى أي مجد عظيم ، وحتى عندما تجد القدرة على ذلك فإن الشجاعة تعوزها .
يرغب كل فنان أن يصفق له [الجمهور ] إن مدائح معاصريه له هي الجزء الأغلى في مجازاته. ما الذي يفعله إذن ليحصل على هذه المدائح ؟ إذا كان من سوء حظه أن ولد في الشعب وفي الأزمنة التي صار فيها العلماء في مقدمة المشهد وجعلوا بدورهم للشباب الطائش مهمة ضبط الإيقاع ؟زمن ضحى الناس فيه بذوقهم لمصلحة طواغيت حريتهم [19].
حيث لا يجرؤ أي امرئ على الرضا إلا بما يتناسب مع درجة خذلان الآخر وحيث يتم تجاهل الأعمال الشعرية العظيمة وحيث تثبط المؤلفات الرائعة( النادرة )[20].
ما سيفعله أيها السادة هو انه سينزل بعبقريته إلى مستوى عصره وسيرغب في وضع تآليف بسيطة يعجب بها الناس في قائم حياته على أن يؤلف روائع يعجب بها الناس طويلا بعد موته . قولوا لنا أيها أهل فولتير المشاهير [21] بكم من الأنفس العظيمة ضحيتم لترضوا الأنفس المليئة بالشهامة المكتنزة بدورها بأشياء صغيرة . 2/45
وهكذا يكون تحلل الأخلاق نتيجة طبيعية للرفاه ويجر بدوره فساد الذوق فإذا وجد بالصدفة رجل من الرجال الخارقين للمألوف بمواهبهم ويكون له من الحزم ما يجعله تصدى لأمجاد عصره فيحط من قدر تلك الأعمال السخيفة، فالويل له إذ سيموت مجهولا منسيا . ما هذا إلا معاينة أقدمها وليست تجربة ارويها[22] . لقد حان الوقت لتسقط من أيدينا تلك الريشة المخصصة للمبالغة في عظمة معابدنا بصور مزيفة ومقدسة أو أنها ستبتذل في صور شبقة على العربات الخاصة [23]. وأنت يا غريم (Praxitèle) و(Phidias)[24] أنت يا من كان القدامى يستعملون المقص ليصنعوا لهم آلهة قادرة على أن تغفر لهم في أعيننا عبادتهم للوثن أنت يا (Pigalle ) [25] الفريد ستكتفي يدك بترميم بطن قرد …
لا يمكننا أن نفكر في القيم التي لا يسعدنا أن تذكرنا بصورة بساطة الأزمنة الأولى انه ساحل جميل بسطته أيدي الطبيعة وحدها حتى نوجه نحوه أنظارنا بلا توقف والتي نحس بندم للابتعاد عنها .
عندما كان الرجال الأبرياء الأفاضل يحبون أن تكون الآلهة شهودا على صنيعهم فإنهم سكنوا معها نفس الأكواخ ولكن عندما صاروا أشرارا فإنهم ابتعدوا عن هؤلاء المتفرجين غير اللطفاء واسكنوهم معابد فخمة ثم اطردوهم من المعابد ليسكنوها بعدهم أو على الأقل فان معابد الآلهة لم تعد مختلفة عن مساكن المواطنين،وكان تلك قمة الإهانة ولم يعد الناس يبتعدون عن الرذائل إلا عند رؤية الآلهة مرفوعة على مداخل قصور العظماء على دعائم من رخام ومنقوشة على أقواس النصر. فيما تتضاعف مرافق الحياة وفيما تتقن الفنون وفيما يتسع الرفاه تهن الشجاعة الحقيقية و تتحلل الفضائل العسكرية، في حين تطغى منتجات العلوم وكل تلك الفنون في المنازل كابناي ….
[1] نرى بوضوح أن هناك عودة مقصودة إلى أسطورة برومثيوس(Prométhée) ولا يبدو أن الإغريق الذي حبسوه على قمة القوقاز يفكرون في ألههم أفضل مما يفكر المصريون في إلههم تيتوس(Teuthus) ، هناك حكاية قديمة تقول أن ساتير(Satyre) أراد أن يقبل النار عند رؤيتها أول مرة لكن برومثيوس صاح فيه احذر يا ساتير ستحرق لحيتك لأنها تحرق عندما نمسها " وهذا هو موضوع (Frontispice)
يلاحظ (Louis de Laruelle) في عمل له نشر في (Revue d’Histoire littéraire; 1912) أن روسو قد تعسف على معنى جملة لأفلاطون تقول ببساطة أن الإله توث(Theuth) وبعد أن اخترع علوما عديدة وخاصة منها علم الكتابة أخذ يشرح فائدتها لحاكم مصر الفرعون تاموس((Thamos) فأبدى الفرعون ملاحظة مفادها أن الناس بمعرفتهم للعلوم والآداب سيستعفون من التفكير ويمكن بذلك أن يكونوا اقل عقلانية مما كانوا في الماضي .
عندما يقوم روسو بنقل جملة من برومثيوس إلى ساتير وهي جملة أخذت من (Œuvres morales de Plutarque- Amyot)
فان روسو يقوم بتحريف الجملة وتغيير معناها ،ولكن طبقا لما يراه (Jean Thomas:Revue d’histoire naturelle; 1932;p, 426) فان Amyot) ( بدوره يرتكب خطا في حق (Plutarque) عندما ينسب لبرومثيوس عبارة (car…etc.)التي يضعها ) (Plutarque على لسان (Satyre) وتظل التلميحات التي يقدمها كل من(Dom Cajot) و لاحقا كذلك(Kruger) في عمله
(Fremde Gedanken inJ.J.R estem Discours ;halle, 1899) وكذلك(Giraldi) في عمله (Progymnama adversus littera et litteratos, 1551) كما في عمل (Agrippa) (De Incertitudine et Vanitate scientiarum, 1530)
محل شك وقد قدم الأول إلى منتاني نسخة من العمل المذكور كما ورد في(Essais 1 I,ch;XXXV) وهو ما لم يذكره روسو أبدا وقد استعار روسو نسخة من كتاب (Agrippa) من مكتبة الملك لكن ذلك كان في شهر جوان سنة 1751 فيما تحتوي مكتبة (Neuchâtel) على المخطوطة عدد 7842 حيث مقتطفات من روسو من (De Incertitudine)وتحمل تاريخا غير يقيني ويعاد في ذلك إلى : (Havens, p72).
[2] استعمل روسو فعل (Feuilleter) وهو يعني هنا معان متعددة منها : 1 ) توريق كتاب أو مخطوط في قراءة غير متأنية . 2 ) الدراسة والقراءة المعمقة والتطبيقية وذلك بحسب معجم الأكاديمية وذلك إلى حدود سنة 1740 . 3 ) الدراسة والإطلاع على الكتب وذلك منذ 1760.
[3] تحت ضغط (Gautier)ومدفوعا لتحسين صورته المخيبة رضي روسو بالتذكير إن هذا الحكم قديم قدم الفلسفة فالصورة فعلا كانت قديمة وكلمة الديموقراطية (Quasi in puteo quodam vertatem jacere) ذكرت في كتاب (Institutions) من قبل (Lactance) هل كان روسو في هذه الفترة قد قرأ كتاب (Institutions) يمكن العودة إلى (La Nouvelle Heloise O.C. Pléiade t ,II ,p 384)في مقابل ذلك فان (Saint- Aubin)يورد في هامش من كتابه : (t,I,p 9: Traité historique de l’Opinion) ويضيف جملة في كتابه (Académiques de Cireron) مفادها :" طبقا للعبارة المعتادة حول الديموقراطية فأن الحقيقة غرقت في عمق البئر " فان روسو يكون قد قرأ (Saint- Aubin) ويمكن العودة إلى (Le Verger des Charmettes O C pleiade t II, p 1124) .
[4] إن استعمال روسو للفظ (Critérium) أو لفظ (Investigation) هو نوع من الاستحداث اللغوي المقصود (Néologisme) وقد لفت(Lecat) نظر روسو إلى اللفظ الأول في عمله (Recueil de toutes les pièces qui ont été publiées à l’occasion du Discours de J.J.Rousseau) المنشور لدى (Jean Paul Mevius t II p 76)فيقول روسو انه أراد عامدا أن يخدم اللغة بإدراج لفظ طيع ومتناسق وليس له مرادف في اللغة الفرنسية " وقد سجلت













