ترجمة من كتاب رسالة في العلوم والفنون لروسو

مارس 21st, 2006 كتبها نور الدين العلوي نشر في , ترجمات

القسم الثاني من الرسالة

 

انه لتقليد  قديم ذلك الذي انتقل من مصر إلى اليونان والذي يرى إن مخترع العلوم كان إلها معاديا للإنسان. [1] ما هي الفكرة التي كان حملها المصريون عن العلوم و قد ولدت بينهم  . لقد كانوا يرون من قريب المصادر التي نبعت منها العلوم وبالفعل إنا لا نجد تفسيرا للرغبة في التعلم التي تتملك الإنسان سواء ورقنا[2] [لذلك ] الحوليات العالمية أو سلمنا لبعض الأبحاث غير اليقينية للكتابات الفلسفية.  

ولد علم الفلك من التشاؤم (الطيرة )، وولدت البلاغة من الطموح والحقد  والغرور والكذب، و ولدت الهندسة(علم المساحة ) من البخل (الشح)، وولدت الفيزياء من حب إطلاع عقيم . وجميعها بما في ذلك الأخلاق ولدت من الغرور الإنساني . إن العلوم والفنون مدينة بوجودها لفسوقنا وكنا سنكون أقل شكا  

 إن فساد المنشأ لا يزداد أمام أنظارنا  إلا جلاء من خلال مواضيعها. ماذا يمكن أن نفعل بالفنون دون الرفاه الذي يغذيها ؟  لما تصلح العدالة دون اللامساواة بين الناس ؟ ماذا يكون التاريخ لو لم يكن هناك طغاة وحروب ومتآمرون ؟ ماذا يعني -باختصار- أن يقضي الإنسان عمره في تأملات عقيمة ؟

لو كان كل واحد[منا ] لا يقوم إلا للواجب وما تتطلبه الطبيعة ولا يبذل وقته إلا  للوطن وللتعساء و لأصدقائه ؟ هل وجدنا لنموت مربوطين إلى حافة البئر التي انزوت فيها الحقيقة [3].

يجب أن يغير هذا التفكير منذ البداية مسار كل إنسان سيسعى بجدية للتعلم بدراسة الفلسفة . لـــيس [ هناك ] إلا الأخطار، وليس إلا المسالك الخاطئة للبحث العلمي، كم من الأخطاء غير الضرورية والأشد خطرا ألف مرة من الحقيقة [المبتغاة ]  لا يجب المرور  بها للوصول إلى الحقيقة .إن المساوي واضحة لان الخطأ قادر على ما لا نهاية له من التعقيدات.لكن ليس للحقيقة إلا طريقة واحدة للوجود     ومن فوق ذلك يبحث عنها بإرادة حقيقية ؟ وما هي العلامة التي تدلنا عليها . ما هي الشروط الفعلية (Critérium)  [4] للحكم الصائب في هذه الكوكبة من الأحاسيس المختلفة [5]. والأشد عسرا من [كل ذلك ] و إذا توفقنا للعثور عليها أخيرا فمن منا يكون قادرا على استعمالها استعمالا جيدا ؟ [6] وإذا كانت علومنا  غير مجدية  في المواضيع التي تتناولها فإن الآثار المترتبة عنها تبدو أشد خطرا .ولأن هذه العلوم ولدت داخل الكسل[7] فإنها تعود بدورها لتنتعش من الكسل .أما الخسارة الأولى التي تسببها للمجتمع فهي بالضرورة ضياع الوقت غير القابل للاستدراك . في السياسة كما في الأخلاق يعتبر من السوء البالغ إن لا يقوم المرء بفعل الخير وكل مواطن غير مفيد يمكن أن ينظر إليه كانسان مفسد .

أجيبوني إذن أيها الفلاسفة العظام انتم الذين نعرف من خلالكم الأسباب التي تجعل الأجسام تتجاذب في الفراغ  [8](vuide) . في ثورات الكواكب ما هي العلاقات بين المسافات المقطوعة في أزمنة متساوية؟

 ما هي منحنيات النقاط المتحدة  ونقاط الانحراف والارتداد ؟ كيف يرى الإنسان أن الكل في الله؟ كيف للروح وللجسد أن يتخاطرا  ؟ وكيف تتوافق  ساعتان ؟ وأي الكواكب يمكن أن يكون مسـكونا؟ و أي الحشرات تتوالد بطريقة خارقة للمألوف ؟.

أجيبوني أقول [ لكم انتم الذين تلقينا منكم كما من المعارف السامية، لو لم تكونوا علمتمونا هذه الأشياء هل كنا نكون أقل عددا ؟ أو هل كنا سنحكم بشكل أقل سوءا أو أقل خطرا ؟ هل كنا نكون أقل ازدهارا أو أكثر شذوذا ؟

عودوا إذن إلى أهمية ما أنتجتم  فإذا كانت أعمال علمائنا الأكثر استنارة وأعمال الأحسن من مواطنينا لا تقدم لنا من الفائدة إلا أقلها، فقولوا لنا ما الذي يجب أن نظن  بهذه الكوكبة من الكتاب الغامضين والمتعالمين الكسالى الذين يلتهمون مقدرات الدولة فيخسرونها [خسرانا][9].

هل قلت كسالى؟  ليت الله جعلهم كذلك  فعلا لتكون القيم أنقى والمجتمع أكثر سلاما ،لكن هؤلاء المنشدين الفاسدين التافهين يتكالبون من كل اتجاه مسلحين بتناقضاتهم المنحطة يطعنون في أسس العقائد ، وينفون الفضيلة ويضحكون بازدراء لتلك الكلمات العتيقة كالوطن والدين ويوجهون مواهبهم قدراتهم وفلسفتهم لتحطيم وإهانة  كل ما هو مقدس عند الناس .

إنهم في الحقيقة لا يكرهون الفضيلة ولا يكرهون مسلماتنا، إنهم يعادون الرأي العام. ولإعادتهم أمام المذبح المقدس  يكفي أن يصنفوا ضمن الملا حدة .

 أيتها الرغبة في الظهور أي شر يعجزك[10] ؟  

انه لشر أكبر من الإفراط في استهلاك الوقت، هناك آلام أشد تتبع الآداب والفنون مثل  الرفاه الذي  ولد من الكسل والغرور .إن الرفاه قلما يوجد بدون العلوم والفنون ولا يمكنهما أن يوجدا بدونه .إني أعرف[11] فلسفتنا ، فهي غنية جدا بالحكم الفريدة، وهي تزعم بخلاف ما أثبتته تجربة كل العصور، إن الرفاه يصنع عظمة الدول . ولكن بعد تناسيها لأهمية القوانين الجيدة هل تجرؤ الفلسفة على إن تنكر بعد، أن الأخلاق الجيدة ليست ضرورية[12] لدوام الإمبراطوريات.وان الرفاه ليس النقيض المطلق للقيم الجيدة [13].  إذا كان الرفاه علامة ثابتة على الثروات وإذا كان يفيدنا إذا أردنا مضاعفتها فما الذي علينا استنتاجه من هذا التناقض الذي نراه على  أيامنا؟ ما الذي تصير إليه الفضيلة عندما يسعى في الغنى بأي ثمن ؟

 يتحدث السياسيون القدامى بدون توقف عن القيم والفضيلة أما سياسيونا فلا يتحدثون إلا عن التجارة والمال . يقول لكم بعضهم أن الرجل يساوى كذا لو بيع مثلا في بلاد الجزائر . ويقول لكم آخر متبعا نفس القاعدة الحسابية أن هناك بلدان لا يساوي فيها الناس شيئا وأخرى فيها ناس  أقل من لا شيء. إنهم يقدرون الناس كما يقدرون قطعان الماشية [14]. بحسب رأيهم فان الإنسان لا يساوي عند الدولة إلا مقدار  استهلاكه وبهذا فانه يمكن لفرد من (Sybarite)  [15]أن يساوي ثلاثين فردا من مقدونيا . ولنتخيل [بعد ذلك ] أي من الجمهوريتين اسبارطا أو (Sybarite) التي أخضعت من قبل حفنة من الريفيين وأيهما جعلت آسيا ترتعد فرقا. إن مملكة القرش الأكبر أخضعها ثلاثون ألف رجل يقودهم أمير اشد فقرا من أفقر دهاقنة فارس . ولقد صمد شعب (Scythes) الأشد بوسا من كل الشعوب أمام أقوى ملوك الكون [16].  لقد كانت هناك إمبراطوريتان مشهورتان تتصارعان على العالم ، كانت واحدة منهما هي الأغنى بينما كانت الأخرى لا تملك شيئا، ولقد استطاعت الثانية أن تقهر الأولى .

 والإمبراطورية الرومانية بدورها وبعد إن التهمت كل ثروات الكون صارت فريسة لقوم لا يعرفون حتى معنى الرفاه . لقد اخضع الفرنجة شعب ألغال (Les gaules) واخضع الساكسون( Les saxons)  انجلترا دون أي ثروة أو سلاح إلا شجاعتهم وفقرهم .و لقد حطمت مجموعة من الجبليين الفقراء  والذين لا يطمعون في أكثر من  امتلاك بعض جلود الخرفان، وبعد أن أذلوا عزة النمسا ذلك البيت المخيف في( Bourgogne)  والذي كان يجعل سادة  أوروبا المطلقي السلطة  ير تعودون رعبا.[17] وأخيرا فان كل قوة وعقل ورثة شارل كنت مدعومة بكل كنوز الهند تحطمت في مواجهة حفنة من الصيادين في (Haran) [18] .

ليتوقف سياسيونا عن حساباتهم ليتفكروا في هذه الأمثلة وليتعلموا لمرة انه يمكن أن نحصل بالمال كل شيء إلا أخلاق المواطنين .

 لماذا يتعلق الأمر بالتدقيق في مسالة الرفاه؟ ما الذي تهتم له  الإمبراطوريات أكثر ؟ أن تكون براقة وقصيرة الأمد أم فاضلة وخالدة ؟ وأقول براقة ولكن أية بريق ؟إن طعم البذخ لا يجتمع البتة مع طعم الشرف في ذات الأنفس. أبدا لا يمكن للأنفس المنحطة  نتيجة العناية غير المجدية أن ترتقي إلى أي مجد عظيم ، وحتى عندما تجد القدرة على ذلك فإن الشجاعة تعوزها .

يرغب كل فنان أن يصفق له [الجمهور ] إن مدائح معاصريه له هي الجزء الأغلى في مجازاته. ما الذي يفعله إذن ليحصل على هذه المدائح ؟ إذا كان من سوء حظه أن ولد في الشعب وفي الأزمنة التي صار فيها العلماء في مقدمة المشهد وجعلوا بدورهم للشباب  الطائش مهمة  ضبط الإيقاع ؟زمن ضحى الناس فيه بذوقهم لمصلحة طواغيت حريتهم [19].

حيث لا يجرؤ أي امرئ على الرضا إلا بما يتناسب مع درجة خذلان الآخر  وحيث يتم تجاهل الأعمال الشعرية العظيمة  وحيث تثبط المؤلفات الرائعة( النادرة )[20].

ما سيفعله أيها السادة هو انه سينزل بعبقريته إلى مستوى عصره وسيرغب في وضع تآليف بسيطة يعجب بها الناس في قائم حياته على أن يؤلف روائع يعجب بها الناس طويلا بعد موته . قولوا لنا أيها  أهل فولتير   المشاهير [21]  بكم من الأنفس العظيمة  ضحيتم لترضوا الأنفس المليئة بالشهامة المكتنزة بدورها بأشياء صغيرة . 2/45

وهكذا يكون تحلل الأخلاق نتيجة طبيعية للرفاه ويجر بدوره فساد الذوق فإذا وجد بالصدفة رجل من الرجال الخارقين للمألوف بمواهبهم ويكون له من الحزم ما يجعله تصدى لأمجاد عصره فيحط من قدر تلك  الأعمال السخيفة، فالويل له إذ سيموت مجهولا منسيا . ما هذا إلا معاينة أقدمها وليست تجربة ارويها[22] .  لقد حان الوقت لتسقط من أيدينا تلك الريشة المخصصة للمبالغة في عظمة معابدنا بصور مزيفة ومقدسة أو أنها ستبتذل في صور شبقة على العربات الخاصة [23].   وأنت يا غريم  (Praxitèle) و(Phidias)[24] أنت يا من كان القدامى يستعملون المقص ليصنعوا لهم آلهة قادرة على أن تغفر لهم في أعيننا عبادتهم للوثن أنت يا (Pigalle )  [25] الفريد ستكتفي يدك بترميم بطن قرد …

  لا يمكننا  أن نفكر في القيم التي لا يسعدنا أن تذكرنا بصورة بساطة الأزمنة الأولى انه ساحل جميل   بسطته أيدي الطبيعة  وحدها حتى نوجه نحوه أنظارنا بلا توقف والتي نحس بندم للابتعاد عنها .

 عندما كان الرجال الأبرياء الأفاضل يحبون أن تكون الآلهة شهودا على صنيعهم فإنهم سكنوا معها نفس الأكواخ ولكن عندما صاروا أشرارا فإنهم ابتعدوا عن هؤلاء المتفرجين غير اللطفاء واسكنوهم معابد فخمة  ثم اطردوهم من المعابد ليسكنوها بعدهم أو على الأقل فان معابد الآلهة لم تعد مختلفة عن مساكن المواطنين،وكان تلك قمة الإهانة ولم يعد الناس يبتعدون عن  الرذائل إلا عند رؤية الآلهة مرفوعة على مداخل قصور العظماء  على دعائم من رخام ومنقوشة على أقواس النصر.  فيما تتضاعف مرافق الحياة وفيما تتقن الفنون وفيما يتسع الرفاه تهن الشجاعة الحقيقية و تتحلل الفضائل العسكرية، في حين تطغى منتجات العلوم وكل تلك الفنون في المنازل كابناي …. 




[1] نرى بوضوح أن هناك عودة مقصودة إلى أسطورة برومثيوس(Prométhée) ولا يبدو أن الإغريق الذي حبسوه  على قمة  القوقاز يفكرون في ألههم  أفضل مما يفكر المصريون في إلههم تيتوس(Teuthus) ، هناك حكاية قديمة تقول أن ساتير(Satyre) أراد أن يقبل النار عند رؤيتها أول مرة لكن برومثيوس صاح فيه احذر يا ساتير ستحرق لحيتك لأنها تحرق عندما نمسها " وهذا هو موضوع (Frontispice)   

يلاحظ (Louis de Laruelle)  في عمل له نشر في (Revue d’Histoire littéraire; 1912)    أن روسو قد تعسف على معنى جملة لأفلاطون تقول ببساطة أن الإله توث(Theuth) وبعد أن اخترع علوما عديدة وخاصة منها علم الكتابة أخذ يشرح فائدتها لحاكم مصر الفرعون تاموس((Thamos) فأبدى الفرعون ملاحظة مفادها أن الناس بمعرفتهم للعلوم والآداب سيستعفون من التفكير ويمكن بذلك أن يكونوا  اقل عقلانية  مما كانوا في الماضي  . 

عندما يقوم روسو بنقل جملة من برومثيوس إلى ساتير وهي جملة أخذت من (Œuvres morales de Plutarque- Amyot) 

فان روسو يقوم بتحريف الجملة وتغيير معناها ،ولكن طبقا لما يراه (Jean Thomas:Revue d’histoire naturelle; 1932;p, 426) فان Amyot) ( بدوره يرتكب  خطا في حق (Plutarque)  عندما ينسب لبرومثيوس عبارة (car…etc.)التي يضعها  ) (Plutarque على لسان (Satyre) وتظل التلميحات التي يقدمها كل من(Dom Cajot) و لاحقا كذلك(Kruger) في عمله

(Fremde Gedanken inJ.J.R estem Discours ;halle, 1899) وكذلك(Giraldi)  في عمله (Progymnama adversus littera et litteratos, 1551) كما في عمل (Agrippa)  (De Incertitudine et Vanitate scientiarum, 1530)

  محل شك وقد قدم الأول إلى  منتاني نسخة من العمل المذكور كما ورد في(Essais 1 I,ch;XXXV)  وهو ما لم يذكره روسو أبدا وقد استعار روسو نسخة من كتاب (Agrippa) من مكتبة الملك لكن ذلك كان في شهر جوان سنة 1751 فيما تحتوي مكتبة (Neuchâtel) على المخطوطة عدد 7842 حيث مقتطفات من روسو من  (De Incertitudine)وتحمل تاريخا غير يقيني ويعاد في ذلك إلى : (Havens, p72).

[2] استعمل روسو فعل (Feuilleter) وهو يعني هنا معان متعددة منها : 1 ) توريق كتاب أو مخطوط في قراءة غير متأنية . 2 ) الدراسة والقراءة المعمقة والتطبيقية وذلك بحسب معجم الأكاديمية وذلك إلى حدود سنة 1740 . 3 ) الدراسة  والإطلاع على الكتب وذلك منذ 1760.

 

[3] تحت ضغط (Gautier)ومدفوعا لتحسين صورته المخيبة رضي روسو بالتذكير إن هذا الحكم قديم قدم الفلسفة فالصورة فعلا كانت قديمة وكلمة الديموقراطية (Quasi in puteo quodam vertatem jacere)   ذكرت في كتاب (Institutions) من قبل (Lactance)    هل كان روسو في هذه الفترة قد قرأ كتاب (Institutions) يمكن العودة إلى (La Nouvelle Heloise O.C. Pléiade t ,II ,p 384)في مقابل ذلك فان (Saint- Aubin)يورد في هامش من كتابه : (t,I,p 9: Traité historique de l’Opinion) ويضيف جملة في كتابه (Académiques de Cireron) مفادها  :" طبقا للعبارة المعتادة  حول الديموقراطية فأن الحقيقة غرقت في عمق البئر " فان روسو يكون قد قرأ  (Saint- Aubin) ويمكن العودة إلى (Le Verger des Charmettes O C pleiade t II, p 1124)    .

[4] إن استعمال روسو للفظ (Critérium) أو لفظ  (Investigation) هو نوع من الاستحداث اللغوي المقصود (Néologisme)  وقد لفت(Lecat) نظر روسو  إلى اللفظ الأول في عمله  (Recueil de toutes les pièces qui ont été publiées à l’occasion du Discours de J.J.Rousseau) المنشور لدى  (Jean Paul Mevius t II p 76)فيقول روسو انه أراد عامدا أن يخدم اللغة بإدراج لفظ طيع ومتناسق وليس له مرادف في اللغة الفرنسية " وقد سجلت

المزيد


ترجمة كتاب أصل التفاوت بين الناس لروسو

مارس 21st, 2006 كتبها نور الدين العلوي نشر في , ترجمات

أصل التفــاوت بين النـــاس

 جــون  جـاك  روســـو

 

 

 

ترجمة

 

 

نور الدين العـــــــلوي

 

 

 

 

 تونس 2004

 


هذا الكتاب ترجمة لكتاب جون جاك روسو :

 

(Discours sur l origine et les fondements de

L’inégalité parmi les hommes)

 

وقد تمت الترجمة باعتماد طبعة  صادرة سنة 1971 عن دار النشر الفرنسية بباريس 

         editions sociales  Les حيث نص في مقدمتها  على ان حق الترجمة والاقتباس و إعادة الطبع مسموح به لكل العالم . وقد قدم لهذه الطبعة  وعلق على النص الأصلي  مبرز جامعي فرنسي هو   ج.ل.لوسركل  (J.L.LECERCLE)ويتضمن الكتاب كذلك  ترجمة المقدمة التي وضعها  محقق النص كما تمت ترجمة التعريف الذي وضعه لجون جاك روسو .

 

*****

 

المترجم : خريج الجامعة التونسية  قسم علم الاجتماع  حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع ومختص في الخدمة الاجتماعية  يكتب الرواية والقصة القصيرة ويعمل خبيرا في الضمان الاجتماعي  ويهتم بروسو  ضمن اهتمام أوسع بالمسالة الاجتماعية  وبالترجمة لمفكري النهضة .


الفــــــهرس

 

 

1.      مقدمة المترجم : لماذا نستعيد روسو

2.      تعريف الكاتب : جون جاك روسو

3.      مقدمة المحقق :  J.L.LECERCLE

4.       إلى جمهورية جنيف

5.       توطئة جون جاك روسو

6.      المقالة …

7.     القسم الأول من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

8.     القسم الثاني من المقالة : في اصل التفاوت بين الناس

9.     الهوامش


لماذا نستعيد  روسو ؟

إذا لم يكن الإعجاب  بنص روسو كافيا لترجمته  فان التعلم منه يظل باستمرار ضروريا للعودة إليه باللغة المتاحة ، ولان لغة  روسو الأم لم  تعد متاحة للكثير من مريدي العلوم الإنسانية نتيجة مشاريع الترجمة العشوائية  للعلوم الإنسانية والاجتماعية ، ولان نصوص روسو  في ظل تراجع القراءة توشك ان تختفي من الرفوف إلا ان تكون تحفا خاصة ، فان التنقيب عن روسو و تقريبه  إلى قراء العربية يصير مطلبا ملحا دون ان ينفي ذلك ان قيمة روسو تظل فوق الاعتبارات الظرفية للقراءة وهو ما يجعل نصه فوق الزمن .و لن أدعو هنا إلى هذه الترجمة  بتمجيد النص الأصلي الذي خلد في الأجيال وليست هذه استعادة لأثر بعد عين .

         لقد تداول الناس لجون جاك روسو بشكل  واسع كتابه في العقد  الاجتماعي واقتطفوا منه ما يروق لكل خطاب ولكل ظرفية غير ان بقية نصوص روسو لم يتم تداولها بنفس القدر رغم أنها تقع موقعا مركزيا في فكره الاجتماعي ،ولعل كتابه اصل التفاوت بين الناس يحتل مكانة لا تقل أهمية عن العقد الاجتماعي في عقد أعمال روسو لكنه لا يبدو متداولا بنفس القدر ، ويعود ذلك في تقديرنا إلى أسباب عديدة منها ضعف الترجمة المتاحة  وتأخرها وسيطرة الفكر الماركسي والترجمات الماركسية السوفيتية بالخصوص للفكر الماركسي وتطبيقاته التي أغنت قراء العربية عن العودة إلى غيرها ممن لم يطرح  خططا عملية لإنهاء التفاوت بين الناس،  فضلا على ان الديموقراطية السياسية التي تأسست على فكر روسو لم تصل قراء العربية بعد لذلك لم تصر  الحاجة إلى روسو ضرورية للفهم والتحليل ثم بناء العمل الديموقراطي .

 هذا بعض روسو  مترجما  إلى العربية لمن لا يقرا روسو بلغته ولمن يقبل روسو ويرفض لغته أو يعجز دونها .

ان نص روسو مجملا  مادة أساسية للطلبة المتدرجين في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية يقربهم إلى الفلسفة السياسية والى الفكر الاجتماعي  لكي لا ينحصروا في شعبة من شعبه أو مذهب من مذاهبه التي تعلم الرؤية الضيقة والأفق المحدود  ونص روسو مادة أساسية كذلك للمختصين في العلوم الاجتماعية يبنون عليه التفكير في نشأة التفاوت الاجتماعي والصراعات المترتبة عنه منذ ”تجرا أحدهم وسيج أرضا وقال هذا لي“ إلى حين عولمة راس المال المتوحش الذي يعيد توزيع الفقر على صعيد عالمي … وروسو كذلك مجملا أو مفصلا للسياسي  الذي يزعم رعاية العقد الاجتماعي ويتحيّز لفئة دون أخرى ليستمر قائما يتمتع بالجغرافيا و ينسى التاريخ . وغير هؤلاء كثير فروسو لمن يبحث عن بداية سليمة منذ قرنين أو يزيد ويدور حول نفسه ولا يجد مخرجا في تراثه ولا في تراث الإنسانية الواسع الخصيب …حتى يفقد عواصمه واحدة تلو الأخرى .

 قد يكون روسو اكثر من ذلك أو اقل لكنه اسم في العلوم الإنسانية لا يمكن  المرور  فوقه والادعاء بسلامة التكوين … وعسى ان تقرب هذه الترجمة نصا من أهم   نصوص روسو إلى أهل العربية  فلهم إلى روسو حاجة لا تؤجل . 

 

و بعيدا عن  الحماس الشخصي لروسو المفكر الاجتماعي الذي علمني الكثير  لا بد من تنبيه القارئ إلى بعض المسائل التي اعتمدت في الترجمة :

-    يجد القارئ في ثنايا النص كلمات بين [  ]  تلك كلمات أضفتها ليسهل بناء النص في لغته العربية وليتضح المعنى  الأصلي كما توصلت إليه . ويجد كذلك كلمات بين ( ) تلك ترجمة للفظ واحد بمترادفين أو بمعنيين متقاربين أدعو القارئ إلى ان يختار أيهما رآه اقرب إلى المعنى وهي بدعة لم يجر بها العمل في الترجمة .

-    يجد القارئ  في متن النص وفي هوامشه كما وضعها روسو حواشي وهوامش أضافها محقق النص لدى دار النشر الفرنسية  وقد تبينت لي فائدتها في تقريب النص فترجمتها كما هي بل أضفت إليها بعض الهوامش معتمدا على معاجم حديثة لأزيد النص قربا من قارئه العربي وقد أشرت إلى ما أضفت في موضعه وعسى ان يكون ذلك مفيدا فعلا .

-    يجد القارئ  في القسم الأخير من الكتاب الهوامش والحواشي التي وضعها روسو بنفسه واختار ان يضعها ذلك الموضع من الكتاب وقد احترمنا رغبته ونبهنا إلى ما أراد في أول موضع بالهوامش المذكورة .

-    يجد القارئ أنّا تداولنا الترجمة بعنوان هو ”اصل التفاوت بين الناس“  في حين ان المتن يتضمن لفظ اللامساواة وقليلا ما تم استعمال لفظ التفاوت وقد اضطررنا إلى ذلك لان العنوان الأول قد تم تداوله و ”سارت به الركبان“ فصار عنوانا وحيدا قد يوحي استبداله بوجود كتاب ثان فضلا على ان لفظ اللاسماواة لم يدخل العربية إلا حديثا وهو من الاشتقاقات التي لا تحظى بالإجماع  المعجمي رغم سعة التداول ، ورغم انه أدل على اختلاف المكانة الاجتماعية من لفظ التفاوت  وعسى ان تثير الترجمة نقاشا حقيقيا حول هذه المفاهيم  والاصطلاحات مثلما نتمنى ان تثير النقاش حول الترجمة الأقرب للفظ (Discours) هل هو الخطاب أم المقال أم المقالة أم الرسالة أم هي معان تتغير في سياق تطور اللغة  . 

-    يجد القارئ بعيدا عن هذه الترجمة ترجمتين أخريين لأصل التفاوت بين الناس  أما أولاهما فقد قام بها  عادل زعيتر ونشرت سنة 1954 ببيروت أما الثانية فقد نشرت سنة 1991 بموفم للنشر بالجزائر  وقد قام بالترجمة بولس غانم وقدم لها ربيع عبد الكريم الشيخ ولم يرد في ثنايا الترجمة أي تعريف للمترجم والمقدم . وإذا خطر لأي قارئ ان يسال لماذا ترجمة ثالثة لنفس النص فاني ادعوه إلى ان يجري مقارنة فعلية لا سطحية للترجمات الثلاث وسيكفيه ذلك للإجابة .

-     يجد القارئ بعض أخطاء الطباعة التي تسربت رغم كثرة المصحيين  يمكنه ان يتجاوز عنها ويجد اختلافا بين ما قد يكون عرفه في الأصل ولم يجده في الترجمة فإذا أثار ذلك لديه غيرة  على أي من النصين  فان هذه الترجمة تكون قد نجحت في استعادة روسو إلى التداول اليومي … أي إلى حيث يجب ان يكون ./.

نور الدين  العلوي

 


جون جاك روسو

1712-1778

لقد رفض روسو دائما كل تسوية مع السلط القائمة ( كارل ماركس )

 

Rousseau s’ est toujours refuse à tout compromis

même apparent avec les pouvoirs établis  .

Karl MARX( Lettre a Schweitzer 25 Janvier 1865)

 

روسو ابن الشعب

  كتب روسو عمله الأول : رسالة في العلوم والفنون  سنة 1750  في الوقت الذي كانت فيه قوى الشعب ( من غير النبلاء والاكلرويوس ) تجمّع قواها استعدادا للهجوم الشامل على النظام القديم  وكانت هذه الفترة خصبة بالأعمال العظيمة   في مجالات الفكر المختلفة كالفلسفة والعلوم والطبيعة والتاريخ والأخلاق والحقوق الخ … وكانت تضع تصورا جديدا للعالم  وتقضي على النظام الإقطاعي  والاستبداد والذي كانت الكنيسة الكاثوليكية تعمل وحدها على دعمه إيديولوجيا  ، ظهر كتاب منتسكيو  ”روح القوانين “سنة 1749 فيما نشر ديدرو كتابه  ”رسالة حول العميان “ سنة   1749  وظهر في نفس الوقت الجزء الأول من كتاب بوفون ” التاريخ الطبيعي“ وفي سنة 1750 ظهرت النشرة التمهيدية لدائرة المعارف والتي طبع الجزء الأول منها سنة 1751 مع الخطاب التمهيدي لالمبار  وفي نفس وقت ظهور كتاب فولتير  ”قرن لويس الرابع عشر“  ، صارت الآداب في منعرج القرن بشكل رئيسي آدابا ملتزمة  أو مناضلة  على الأقل في عنوانيها الأكثر بروزا . وقد عبرت عن مجملها عن  مطالب الشعب المحروم من كل حقوقه السياسية  والقائم ضد النظام الإقطاعي الذي كان يسمح لأقلية من الطفيليين بالعيش من بؤس الشعب و تعطيل نمو قوى الإنتاج واكتمال الوحدة الوطنية .  

 لقد توحد الشعب ضد الحكم الملكي المطلق  وضد النبلاء الإقطاعيين  وضد الكنيسة  التي كانت مركز تجمع كل الأفكار المناهضة للأفكار الجديدة  ، نحو  سنة 1750  تجمعت كل القوى الشعبية لتكون جبهة موحدة وتقود المعركة الأخيرة نحو الثورة الفرنسية .

 غير ان الشعب لم يكن  طبقة اجتماعية منسجمة ، كانت الغالبية الواسعة منه تتكون من المزارعين الريفيين الصغار  الذين كانوا يحتملون كل حقوق الإقطاع  وضرائب الملك  في حين ان البرجوازية  المكونة من كبار الملاك يستفيدون من النظام الضريبي القائم ومن الاستبداد وكانوا هم بدورهم يستغلون الشعب البائس .  أما في القرى  فقد كان المزارعون الفقراء الملزمون  بالقوانين التقليدية  للمجموعات الريفية   يقومون  ضد المزارعين الكبار الذين يستغلون الأراضي طبقا للأساليب  الرأسمالية الجديدة  وفيما بين مواسم الزراعة كانوا يخضعون لاستغلال التجار الذين يشغلونهم في المنازل مقابل القوت اليومي  فقط . أما في المدن فكان الحرفيون  الصغار يعانون من المنافسة القوية للصناعات التحويلية  وفي سنوات المحل كان أفواج من ضعاف الحال يموتون جوعا فيما يغتني المضاربون على الحبوب .. وقبل ان تتجلى هذا المواقف المتناقضة تحت راية الثورة فإنها تجلت في النظريات . كان البرلماني الكبير والنبيل الإقطاعي منتسكيو  المرتبط بالنظام القديم يحاول في أعماله المصالحة بين النظام الإقطاعي و التطلعات البرجوازية  أما فولتير والموسوعيون الأكثر جرأة منه فكانوا يقومون بوضوح ضد النظام القديم  ويمثلون مطالب البرجوازية التقدمية و فولتير نفسه  وهو ليتيس  ودي هولدباخ   فكانوا من المصرفيين            و أصحاب الأموال   وكان برنامج هؤلاء  يسير باتجاه التاريخ  وينحو إلى تقوية القوى المنتجة .  وفي المجال الفلسفي فان البعض منهم يذهب إلى حد الدعوة المادية  ويعتقدون ان الإنسان قادر بالعلم وحده  على الوصول إلى ماهية الأشياء  وتنمية الحضارة  وتأمين السعادة على الأرض  كانوا يؤمنون بالتقدم  أما في السياسة  وإذا اتفقوا على ان ساندوا اطروحات  ديموقراطية  في مواجهة الاستبداد  ( مقال السلطة السياسية لديدرو)   فانه لا يمكن ان نعتبرهم ديموقراطيين  لقد كانوا كرماء ويريدون تامين سعادة الشعب …  ولكن لم يكن من رأيهم  ان هذه السعادة تكون من عمل الشعب بنفسه  أي من الدهماء الفاقدة للأنوار وللحس السليم  كما يقول دي هولباخ  ولأنهم برجوازيون  فقد كانوا يحذرون من الدهماء المضطربة ويرون ان إقامة حكم العقل هي من مهام قلة من الرجال المستنيرين ..

 لكن حكم العقل كما يقول انجلز ليس إلا حكم البرجوازية وقد صار مثاليا  فبعد الأرستقراطية   بالميلاد  تقوم الأرستقراطية بالمال  فلا يقوم الحكم إلا باستغلال  الطبقات الشعبية  ، والبرجوازية الصغيرة المتوافقة مع البرجوازية الكبرى  ضد النظام القديم ليس لديها أي داع للقبول بتطور الرأسمالية الذي يدفع بها إلى الخسران  والحرمان من الملكية  وهي لا تربح شيئا من الإقطاع  وهي تعاني من النظام القديم ولكن هل كانت فعلا متفتحة على الأفكار الديموقراطية ؟  لم يكن  لهذه الطبقة من برنامج اقتصادي فعال فهي تتمسك بلا أمل بملكيتها الصغرى المحكوم عليها بالفناء تاريخيا وليس لديها أمل  إيجابي يأتيها من النظام القديم .  ان طموحاتها تتحول إلى أحلام طوباوية :  نظام من المساواة  الاجتماعية يصير فيه كل المواطنين ملاكا صغارا  ، ولان هذا الحلم يتناقض مع التطور الاقتصادي الذي لا مرد له فانه لا يمكنها إلا ان ترثي مسيرة التقدم التي ترى فيها تراجعا أي تراجعها الذاتي لذلك نظرت هذه الطبقة نظرة حذرة إلى التقدم العلمي  وسيلة التقدم ولم يمكنها ان تثق في العقل دون ان تحفّظ.

 في هذا الإطار يجب وضع أعمال روسو الذي أعطى لمجموع الطبقة البرجوازية الصغيرة إيديولوجيا ،  لقد كان روسو في نفس الوقت متقدما اكثر من الموسوعيين واكثر منهم ورعا وكان أكثرهم حزما وعمقا في التفكير السياسي وهذا هو التناقض العميق في أعماله والناتج لا عن ضعف في عبقريته بل عن الوضع المتناقض للبرجوازية الصغيرة التي كان ينطق باسمها . 

سنوات التكوين

ولد روسو بجنيف سنة 1712  وسيكون من قبيل الغمط لكل أثره الفكري  ان ننظر إليه كمواطن من جنيف  كتب فقط لأهل جنيف  ومن اليقين انه عندما كان يكتب العقد الاجتماعي كان يجهل كل شيء عن دستور جنيف .ان روسو ينتمي إلى فرنسا لا لانه متحدر من أسرة بروتستانتية التجأت إلى جنيف من فرنسا في القرن السادس عشر فقط بل لان ثقافته فرنسية بالكامل وقد ساهم بدور فعال في الثقافة الفرنسية والحياة السياسية بفرنسا .. غير ان انتماؤه إلى جنيف قد لعب دورا مؤثرا على بعض أعماله ، لقد ولد على مذهب كالفن  أي على دين فرداني اكثر عقلانية واكثر صرامة وتقشفا من الكاثوليكية ( ان الإصلاح الديني حسب ماركس كان هو المرحلة الأولى من الثورة البرجوازية ) خاصة وان جنيف كانت جمهورية  وكان روسو يفخر طيلة حياته انه من بين رعايا ملك فرنسا الذين ولدوا في جمهورية واللقب الوحيد الذي يحمله أبدا هو ”مواطن من جنيف“ . وغير مهم لدينا هنا ان لا تكون هذه الجمهورية اكثر من حكومة أقلية من الأغنياء حيث تتجمع السلطة بين أيدي مجلس صغير من خمس وعشرين عضوا  ولم يتفطن روسو إلى ذلك إلا بعد ان نشر أعماله  لقد ساعدت روسو ولادته جمهوريا للوعي بفرادة فرنسا  . كان أبوه ساعاتيا و  أسرته تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة  ولا يعتبر روسو نفسه متحدرا من الطبقات الفقيرة جدا  ، وقد ولد كما يقول في الاعترافات  في عائلة تتميز عن الشعب  بأخلاقها  ولكنه وجد نفسه بسرعة  متروكا لحاله فانتمى إلى الشعب.   لم يكن أبوه رجلا مستقرا وكان وهو يصلح الساعات يجبر ابنه على ان يقرا له روايات عاطفية ولكن يجبره كذلك على قراءة كتب من قبيل الرجال العظماء

  (Les Hommes Illustres)  لبلوتارك (Plutarque)  والذي كان منذ قرن  بمثابة مختصر للمدنية لدى كل  ذوي الميول الجمهورية وقد غادر الأب جنيف دون ان يهتم مطلقا بجون جاك  والذي كان قد فقد أمه قبل ذلك .., أودع الطفل لدى القس (Lambercier)   لمدة عامين وعنده بدأ يتعلم اللاتينية  وكانت تلك تقريبا هي الدراسة الوحيدة المنتظمة التي خضع لها تحت إشراف شخص آخر  ثم بدا يتعلم مهنا مختلفة فمكث حولين عند خطاط وكانت شروط التعلم المهنية من أقصى الشروط المهنية في ذلك العصر  وكان جون جاك يمتحن ويضرب ويتعرض للمنغصات ويدافع عن نفسه بوسائل طفل ،فكان يكذب ويختلس وذات يوم هرب ليقضي ثلاثة عشر سنة من عمره متسكعا   عرف خلالها كل المهن وكل أشكال البؤس حتى انتهى في حماية سيدة شابة ( Mme de Warens)  ثم صار عشيقا لها . كانت  السيدة بدورها امرأة مغامرة وبلا مب

المزيد