فصول من رواياتي المنشورة والمخطوطة

فبراير 15th, 2006 كتبها نور الدين العلوي نشر في , نصوص تنضج

 
 هذه المقدمات الأولى أو المدخل لروايـــة  "المستلبس " للروائي التونسي نـور الديـن العلـوي الصادرة عن دار الجنوب للنشر بتونس سنة 2005 بعنوان فرعي هو { اللهم الطف بنا فيما جرت بـه التقــارير} .
فاتحة الحديث عن أحمد العروس.
انتــهى أحمد العروس من زمن الناس… وما انتهى زمن الناس في أحمد العروس…
فالطين مختلف وأحمد أطول…
أحمد أمل أقوى من لحظة إشراقه في غيب حزين… ورؤيا لم تحتج إغماض عين لتكون… إنه هنا والآن ويمكث في الأرض.. فاجعل لك إلى أحمد العروس سبيلا…
يقول لك أحمد في التحايا "اعبر جسورا نحو نفسك بناها الآخرون لتعبر من نفسك إلى مرض نفوسهم بالسؤال عن فراغات في نفوس الآخرين".
ويفزعك أحمد لو سرت إليه… فأحمد ليس محايدا إزاء هموم الآخرين… ويرى أبعد من أنفه لذلك يرى كثيرا ويحجم عن الإفصاح وينتظر عيونا شاهدة.
وقد يردك أحمد إلى بعض نفسك فإذا اشتبه عليك والتبس ، يقول لك أحمد "إن أحمد على غرابة شكله يقاس عليه ولا يحفظ فهو ليس خطأ شائعا ولا قاعدة مهجورة وهو ليس قاعدة لكلام الآخرين الهارب من صدقه بسلاسة المعنى إلى التيه في أساطير الأولين يعمي ليثبت عجز الناظرين ويتقول "الناس حمقى فلا تعلمهم المعنى أنهم دون يرون ظاهرة اللفظ فيكتفون". ثم يلخص "أحمد العروس ليس إنجيلا ولم يصحف، ولقد صيغ لمرة واحدة فمن استطاع إلى أحمد العروس سبيلا فقد وفر لنفسه بعض زاد لبعض الطريق". فإذا عزمت وأوشكت على أحمد… فاعلم إنه في بدء التكوين كان… ثم كان أحمد وليس نبيا… ولا معجزة وأمه ليست عذراء !
سيسألونك… عن أحمد…فاللفظ مبهم والسياق مداور ، ” قل لا تأتي به الريح ولا ينبت معلقا كالثوم والبصل“. ويسألونك عجزا ، قل ”إنه أحمد العروس المنغرس سكينا في كبد المنكرين وجوده يقولون له "من فسق في أمك يا زنيم ؟"ويسألونك عن أحمد العروس "مسكين ؟" قل ”مرهق… ويختزن ضده … فيقوم. فلا يقتل ولا يصلب ولكن تحضنه الأرض فيشبه لقاتليه فيفرحون ! فيما بذوره تنتظر صهد المعارك الحاسمات… لتنتشر.ويسألونك دائما … قل ”لقد نجا… ثم صار إلى ما هو عليه راهنا !“
ويسألونك وهنا،  فلا تبخل عليهم بالخبر ولا تبخل عليهم بالشرر وأوقد لهم من أحمد… فعلى النار الهدى… يرون أحمد اليومي ويقرؤون اللوح ويعرفون كيف السبيل إلى الخروج .
ويسألونك رغم ذلك عن أحمد العروس… قل ”تشتد عليه الشمس فينمو صاعدا ويبز نخيل السواد إذا سمق… فإذا انزاحت جبال الصبر فيه يذوب نورا في الشفق… ثم يخرج من أخاديد الأرض العطشى ويتعملق في البساط الأبلق ولا يضمحل إذا انبثق ! فإذا ظلم قلبه يسير بالتوازي مع نفسه فلا يلتقيا لكنه ينطرح شوكا في المسالك ويصير نشيجا في الفرح.
ثم إذا سألوك بعد هذا عن أحمد، فلخص…” ينبت في أرضكم في سنين القحط وينمو بالجفاف وتحصده النذالة والعسس…“
فإذا ألحفوا كما عن البقرة الصفراء… فقل ” لا أدري فهو أسلم… وانس سؤال الآخرين عن الحقيقة وانس حقيقة الآخرين في السؤال وأسأل هل يؤدي السؤال إلى الحقيقة ثم اسأل هل لا بد للحقيقة من سؤال ؟ ثم تعمد أن تتيه في السؤال السرمدي… ما الحقيقة ؟ وانس أحمد العروس فهو ترابي الوجود واذهب في الفلسفة وتيقن إنها أسلم من حقيقة أحمد وليس لها تأثيرات جانبية ولا يخشى منها على الخصوبة والرضاع… فإذا كان لا بد وأنت على الصراط الأعوج… فقل… لقد نجا من الانتخاب الطبيعي، وليس الأصلح ولعله الأشقى فهو الأبقى، فاقتله تغنم صمته. ثم أذره في الرياح الأربع قبل اجتماع رماده في الغيب وعودته كالنهار“.
ذلك أحمد العروس… من لا عين رأت ولا أذن سمعت إنما خطر على قلب بشر ! فإذا نجا ثانية فلن يقنع بالانتخاب.
 
 
 
حديث آخر عن أحمد العروس.
ثبت أنه لأحمد أطلال ببرقة ثهمد لكنه لا يعود للبكاء عليها ويحدث له أن يقرأ كتاب العربان ويضحك، فأحمد حي ويلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ، وقد يموت ولا يبكي عليه أحد ،فلم يكن فتى ولم يعربد إلا في حدود ضيقة .لكنه رفض يوما أن يفرد كالبعير رغم أن أيامه كانت قطرانا مجمدا، ثم إن ذلك لم يزده إلا حبا في أهله ليقول "ليتني كنت طللا قديما فأحظى بالقصائد وأدخل في الاركيولوجيا فأنعم بالسياحة ولا بأس أن لا يبكي علي أحد".
وفي اشتداد وجد أحمد العروس يزور أمه في المصح العقلي، وقبل الوصول إليها في النسيان يقول، "هذه آخر مرة" ثم ينسى ويشتاق فيعود… فيجد أمه تحت نخلة لا تطرح تمرا وليس لديها رضيع يتكلم، وتفرش علبة كرطون وتجلس على حافتها وتنظر إلى كتابة في الحافة الأخرى ولا تكلم أحدا ويقرأ أحمد المكتوب حيث تنظر أمه "قابل للكسر". ويجلس أمام أمه دهرا فلا تراه ثم يهم أن يقوم فتمسك ركبتيه وتبتسم فيوشك أحمد أن يبكي ولكنه يتهيب ذلك فتكف أمه عن الابتسام وتقول له ”كيف حال أمك ؟ أما مازالت تأكل عند جيرانها ويأتيها جيرانها ويأكلون عندها ؟ أمازلت تسرق الخضر من السوق لولدها أحمد ويضربها الباعة بالطماطم الفاسدة ويعطونها الغلة ويلحقون بها إلى البيت ؟“
ويتذكر أحمد التفاصيل الصغيرة ويحمل محفظته ويذهب إلى المدرسة وعندما يصل إلى الامتحان الكبير ومرض أمه تشد أمه على ركبتيه فيعود إليها لحظة فتقول له "بلغ سلامي إلى أمك وقل لها أن تضع الحناء على شعرها. سيدب في الحي القمل ويعقبه الجراد ولا ينجو إلا من غطى رأسه وقل للرجال-إن تبقى - أن يبولوا بأكفهم منحنين لينجوا من الرعد الكبير الذي يحصد الرؤوس المشرئبة…"
في أثناء ذلك يكون أحمد قد مر على عمره كله ونزل في آخر المطاف حيث أمه في المصح العقلي فتقول له أمه من شرودها ”قل  لأمك أن لا تخرج في الليل… فولدها لا يزال صغيرا وقد يرعبه الليل… والأمن أحسن من التجوال في الظلمة“  فيؤمن أحمد "نعم يا أمي من خاف سلم". ويدير أحمد بصره في المصح العقلي. من كل الحضور الذين يمرون في الجنون تظهر ملابس أمه نظيفة وشعرها الذي كان آية ملفوفا بعناية وتجلس على مكان نظيف لكنها لا تزال ترى أحمد حيث تركته طفلا أعزل قبل أن تخرج من عقل الآخرين و تدخل في الجنون ويراها توصيه خيرا بنفسها حيث تركت نفسها قبل الدخول فيمازحها أحمد مشفقا ”كيف حالك يا حاجة“  ولكن أحمد يرى كلاما كثيرا على شفتيها فلا ينظر في اتجاه عينيها ويدس رأسه بين ركبتيه ويصمت دهرا… يعرف أنها ستقول له جملتها الشديدة "هل عثرت على أبيك ؟" ويعرف أن إجابته لن ترضيها فيقوم عائدا إلى ما لا يقصد ولا يريد وقد قرر أن لا يزور أمه أبدا حيث هي في المصح العقلي.
ويفيق أحمد العروس العائد من المصح على أحمد العروس المنثور في الساحات العامة القليلة أصلا يمشي بهدوء ويدخل في الليل ويقول ”أحمد العروس يعرف كل الفضائح و الصغارات وليس إلها ولا في القوات الخاصة ولا في الاستشعار“. ثم أمام واجهة محل نظيفة يرى أن الدهر مر على أحمد الواقف خارج البلور مرور اللئام فخلف على نفسه آثارا… ومر اليسار مرورا وخلف في أحمد رؤية ظل العالم في الماء العميق… ومر اليمين وخلف خوف انكشاف النوايا السيئة… فصار أحمد متعدد الأوجه كثير الاستغفار ويدور حول نفسه ويكلم ظله ويعتقد أنه الأصلح وأن الآخرين يعرفون و ينكرون ثم يعتقد أنه الأسوأ وأن الآخرين دفعوه دفعا… ثم يجد نفسه قبيحا جدا و يزيده قبحا بحثه عن الجمال السرمدي.. كلما أمعن بحثا أمعن اشمئزازا.
فيقرر البحث عن رجل بعينه… رجل أشم. سيقول الماكرون "أن أحمد… فلا يبحث عن رجل إلا المصاب بسدوم ولكن أحمد لا يرد عليهم، فالجهل مصيبة. ويواصل البحث عن رجل بأنفه ويخفف عن نفسه فيقول "لماذا رجل بعينه وما الذي يجعل للعين ميزة عن الأنف حتى يقال رجل بعينه" وأحمد يعرف للعين معان فأيها تكون علامة ؟ إذن هو الأنف…
رجل بأنفه. ولم يكن يبحث إلا عن أبيه. فأمه علمته أن أباه رجل أشم لذلك كان ينظر للوجوه ويمعن في الرجال ذوي الأنوف… فيجد رجالا بأنوف ذليلة فلا يراهم… ثم يجد رجالا بلا أنوف ذليلة لكنهم لا يرفعون وجوههم فلا يراهم… ثم يجد رجالا بأنوف عزيزة لكنهم لا يرون أحمد فلا يراهم… ثم يجد… أن مطلبه عزيز فينسى البحث دهرا ثم يزور أمه… فيستأنف البحث ”إن أبي بينكم أيها الرجال !“ ويضحك ”من تراني أخاطب ؟“ ثم يقول بهمس ويلتفت على جنبيه ”إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير لكني لا أرى أحدا“ ويقول ”تباركت روحك أيها الخز اعي هذا زمانك فلماذا بكرت قليلا في المجيء وفي الذهاب ؟ وأحمد العروس لا يقرض الشعر و إلا زاد على بيتك ديوانا عن الغائبين عن أرواحهم ، الحاضرين في المطاعم والمقاهي والمآدب يتجشئون كثيرا ويقولون ”ربي أنعمت فزد“ ويقول أحمد لربه دون أن ينظر إلى السماء ”لو جاز الفناء على ملكك لانتهيت متسولا مثل أحمد العروس“ ولكنه يستغفر ويعود إلى الشاعر ويسأله هل رأيت أبي يا أبا الطيب فيقول له ”أذم إلى هذا الزمان أهيله…“فلا يبحث أحمد عن المزيد وعن أبيه في شم العرانين. ويقول ”لو كان لما هرب“ ويتوقف أحمد عن البحث. يرى حقيقة أبيه فيكف عن الكلام… من تراه يكون غير ” فدم تستغرق الكف فوديه ومنكبه وتكتسي منه ريح الجورب العرق“  ويقرر أحمد الانقطاع عن أمه في المصح العقلي. ”لا ذنب عليك يا أمي… فأحمد يعرف كل شيء ولا يرى أنك مثلما ترين فأنت أعز أنفا من أبي وأحمد لا يسوي بأنف الناقة الذنب“كنه… يضيق صدره…فيشتاق… فيقاوم… فيحلم… فيرى أمه تقف على مئذنة المسجد وتغني. ”لم يكن أحمد واحدا منكم ولكنه يعرفكم واحدا، واحدا ويفكككم قطعة، قطعة ويقدر ثمنكم جيدا ولا يبيعكم لأحد فأحمد لا يتاجر في الحديد الصدئ ولكنه لا يفرش لكم عباءته للصلاة عليها ، فأحمد أعف من صلاتكم لذلك أوصيته بغسل يديه سبع مرات إذا صافح ، أحمد يا كبدي، يا أعزل… وتخوض حروبا كثيرة ولا تخرج منتصرا أبدا“. ثم تصمت. فيستيقظ أحمد وفي حلقه لقمة من الصوف المر فيذهب، فتصر أمه ”ابحث عن أبوك“  فيصحح لها أحمد ”قولي عن أبيك“ فتلح أمه ”لم يجره أحد ولا يكون إلا الفاعل وهو الذي ابتدأ فأوهمني فأسلمت له الأمر يقلبه على كل وجوهه… ثم أفقت فإذا هو قد عبر المحيط وأنت في فراشي “.
”إذا هو نذل يا أمي.“ فتقول له أمه ”لا تصدق يا أحمد يا ضناي ولا تحرم أمك من كذبتها الأخيرة ودع لي سلام الاطمئنان إلى الخديعة فأنت تدخل في الرجال بأب أشم يخفي أمك في آخر الصورة فلا تضار. أما بأب نذل وأم أكلت بلحمها خبزا ، فلا مكان لك فوق الأرض، ولن يدفنك أحد لتحتضنك الأرض بعدي“. وعندها يتمثل أحمد كل المشهد المجنون ويمرر يده على شعر أمه الأخضر ويود أن يضمها إلى صدره لكنها تكون جامدة تحت النخلة العاقر وتكون دمعة أحمد قريبة جدا فينهض، فيذهب، فتجف عينه من البكاء الداخلي.
فإذا عاد إلى نفسه بعد لأي… في ساحة منسية… وجد نفسه في دائرة مليئة بالفراغ ويعتقد أنه يتقدم. يضرب الأرض بقدميه فيشب إلى الأعلى.. فيتنفس قليلا لكنه يعود إلى القاع فيضيق صدره لكنه يواصل الاعتقاد أنه خارج المستنقع وأن الآخرين يغرقون…
وتخاطبه العناصر كلها ” يا أحمد الأحمد… ألا ترى أنك وحدك في الخضم وأن الآخرين يسبحون كالضفادع وقد ينقون ؟ تشبث يا أحمد بما بين يديك لتنجو…“ لكن أحمد يعود للغفلة عامدا لكي لا يرى كل شيء…و في تشابه الصباحات يضحك أحمد في سره… ويمضي… فكثيرون ممن رأوا أحمد في الصباح… صلوا أن تكون نهاية اليوم أجمل من صباحه وأحمد لم يتدخل فمر يومه كما تيسر . لكن الكثير منهم وقع في مآزق في أيام لم يروا فيها أحمد، وتذكروا أنهم رأوا زوجاتهم في الصباح وأخريات رأين مثلما رأوا. ويعرف أحمد طائرهم فيترك لحيته نابتة كعسل في صحن حط عليه ذباب، ويقول ”لله جنود من عسل“ أو يقول ”على نفسها جنت“ وينسى أن يحلق لحيته دائما فهي آية تذكر الناس بالصلاة.
 
آخر حديث عن أحمد … ثم أحمد.
أحمد العروس متواضع الإمكانات لذلك لا يطاوعه الشعر ويقول إذا اغتر ”أنا اشعر من المتنبي“ لكنه انتهى بعشق المتنبي في الديوان وكرهه في المسلسل وقد أفاق بعد لأي فوجد أن المتنبي أيضا قد بصم على جلده بملقط من حديد فصار يلتقط الشعراء في الجرائد المهملة واكتشف أن الشعر كلام فوق الزمن. لذلك لما عثر على عبد الإله الصالحي§  صوره بعناية وعلقه في جدار وصار يقول له كل صباح بعد أن يؤدي له تحية عسكرية. اتفق معك لكني لست في البعض ولا فيالأغلبية فأنا أحمد العروس. ثم يقرأ :
 بعضهم يجد أعضاءهمبتورة وتكاد تبتسم.
بعضهم يقلد المستقبل.
 بعضهم يقنع صندوق القمامة
بأنه أشد استدارة من الحقيقة (…)
 بعضهم يغرق بكل بساطةفي فرصة معوقة
بعضهم يسرق أدوات الجزم.
 بعضهم يتفقد أنسابه
بعضهم يتدرب على الإطاحة بالعالم.
بعضهم يفترش السطور وينحني قليلا ليسعل.
بعضهم جزيرة
بعضهم لعاب قيد الدرس
بعضهم ينتظر الانقراض
بعضهم قد يتألم
بعضهم يتأوه كمن يعاكس القيامة.
بعضهم يعوض الجنس بقيء الشعراء.
بعضهم يلهو بالعناوين في انتظار الباص أو الجنة
بعضهم يحب
بعضهم يفهم
بعضهم يتعذب

المزيد


اتوهم الاختلاف فانظر حيث لا ارى فلا أرى الا اوهامي

يونيو 26th, 2008 كتبها نور الدين العلوي نشر في , نصوص تنضج



نصوص تنضج على نار باردة

ديسمبر 18th, 2006 كتبها نور الدين العلوي نشر في , TEXTES CRUS, نصوص تنضج

«ما أكثر النّساء وما أقلّ الحبّ …»

 

  مقطع من رواية  لم تكتمل بعد للروائي التونسي

 نور الدين العلوي

 عنوانها المؤقت

 الرهينة رقم 4232.5

 

أجلس وحدي بلا امرأة أرتب أفكاري أضع عليها علامات  أضع العلامات في ملفات وأضع الملفات في  علب جديدة، وأختم عليها ثم أضعها على رفوف أو أشحنها في أقراص وأضع الأقراص في علب أصغر وأحفظها من الغبار  ثم أنظر بقية الأفكار…كل الفوضى وكل الاضطراب

هل عرفنا النساء؟  هل حرّرنا النساء؟ هل تحرّرنا من النساء؟ هل تتحرّر النساء؟ من يستعبد الآخر؟

وأضل أدور في أسئلتي …أين المرأة؟ أين جسدها؟أين أنفاسها؟ أين حديثها؟ أين رائحة إبطيها العطرين بالطبيعة الفوارة ؟ أين شعرها المنساب فوق وجهي ويديها خلف عنقي ورأسي على كتفها؟ أين أضع هذه الفكرة وكل علب الأفكار مليئة  بصور النساء أمام المحال التجارية …

…اطرح  ما شئت من الأسئلة …فلا مخرج إلا بالحقيقة وهل من حقيقة في النساء يستقر لنا فيها المقام …؟

ألسنا نخوض في حديث النساء أحيانا كثيرة … أ لسنا لا نصل إلا إلى   ما صنعنا من الصور … فلماذا ندخل الحديث عنهن بأحجار في أيدينا  ثم نستطيب الانحناء …

ثمة امرأة  ليست من النساء  ولم تلتقها إلا  في الحديث العابر… فأعلن يأسك منها  قبل الحديث .فقد تكون قد قلت مثلي لامرأة مرت قريبا « نام المغرمون باللحم الحلال فهيا .. رأسي بين نهديك يذوب فاحلبيني أسيل عسلا من حلمتيك الوردتين…»  فنامت. وبقيت وحدي (ك)  نحسب  النجوم فلا نراها… فقد  كانت تنتظر زوجا نافقا …

توقف عن فضح العجز الذي تجد … فالحديث بلاء  والنساء بلاء مقيم في الضلوع …وفي الحديث…

قل في مفتتح الحديث  ما أكثر النساء وما أقل الحب  معظلة المحبين القدامى تستعاد في كل العصور لحم كثير… أما الحب فانتظر خطأ الأيام  ستسمح به ولو بعد حين لتستخرج من اللحم الكثيف نواة امرأة جميلة. 

سلّم مثلي للمجلة التي أسقطت آية وأخذت مكان الكتاب. لقد أسقطت رؤوسا ورفعت أخرى وأقامت أحزابا وحلت أخرى  و صمدت وحدها  وارتقت فوق القوانين جميعها. يعلقها السادة نيشانا عندما يستبدلون أموال النفط بالقروض  الأجنبية ثم يضعونها على الرفوف إذا اعتمروا، ويشهرونها على طائرة الخطوط الفرنسية ويصلحون بها الحديث في زمان كوندليسا .

 ليس في النساء قول فصل ولكن … هذه رؤية اللحظة وقد نكبر فنعقل فنغيرها بعد أن يكبر الأولاد  ويعرفون نساء أخريات ثم يقرؤون ترهات الآباء الذين يزعمون القول في النساء في عصر المجلة .

 

مشينا طويلا …نمشي بعد …  وراء امرأة لا نعرفها نتوهمها نعطيها الوقت الذي تريد لتعرب عن نفسها فتهرب إلى غموض فاضح تخفي أفكارا بسيطة حول الحياة نتبعها  نزولا إلى تفاهات كل يوم نقف خلفها أمام واجهات المحال  تقيس الملابس الجديدة وتحكم على الألوان وتربط بين الألوان والمقاسات  ونصبر حتى تقيس ثم نقف أمام محال جديدة  وننتظر تلك هي…  واحدة تعرب عن جمع ولا اختلاف إلا في المقاسات .

نصل نهاية الوهم بالاختلاف ولا نعود إلى الحقيقة حيث نحن بامرأة واحدة  وبدون نساء… كنا  فحولا نتناطح. تدخل امرأة حيث نحن يهدأ الصراع قليلا نتحول إلى  تيوس مهذبين نمشط لحانا بأطراف أصابعنا وننتظر أن ترضى عن بعضنا أو عن جميعنا أو أن تغضب قليلا  وتظل بيننا نراها ونستأنس إذا لم تأت نجيء بها  لنختصم حولها  نتناطح كالكباش  أحدنا فقط يفوز بها قوة القرن أو قوة العين…  يعود البقية خائبين إلى البحث عن امرأة أخرى نساء أخر؟ لما لا يمكن الاستمرار بدونها… هي ضعفنا وقوتنا فمن لنا بها كي نضع أنوفنا في وحل مداسها الجميل ؟ 

وكم  قمنا…وقد نقوم بعد بعملية عسكرية نتدرب على العيش بدون نساء نصاب بالإحباط تختلط الاتجاهات  فنذهب إلى البحر في الشتاء ونعتقد أن الموج يحمل الرسائل  ولكنه ينكسرعلى الشط ويذهب مليئا بالاحتقار، نذهب إلى الواحة تحت النخيل الوارف أو تحت الزيتون الصامد للعناصر ،نمسك الجذوع ونعتصر الدموع ثم نكتب على الجذوع الخشبية أسماءنا وأسماء أخرى ونجعلها ملغزة لا يفهمها إلا الذي نريد فلا يقرأها إلا العابرون فلا يصل البريد ، نعاود العملية العسكرية  نفسها ولا نصل إلا إلى معنى وحيد نحن بلا نساء إذن نحن بلا معنى هل هذا هو «الكوجيتو ؟» إنه المعنى الذي تعطيه النساء للحياة …

الآن أزف السؤال الأخير… هل نعرف الحب مرة واحدة وأخيرة ونرتاح … حالة التبعية التي تجعل الرجل يقدم نفسه لامرأة تفعل به ما تشاء  تركبه أو تضع عليه برذعة أو تركعه أو تصلي له  لا فرق إذ يكونان متفقين على تبادل العطاء… تبادل المعنى.

 متى تصادفنا هذه الحالة العجيبة ؟ نتعزى بأن كل العمر مفتوح على مثل هذا الاحتمال شرط أن لا نغطس في الواجب اليومي فننسى وننغلق على الاحتمال المتاح سعداء بالأبوة والمصاريف حيث لا يكون الحب وتكون الألفة  الممزوجة بالاحترام …

يكون الآن من الأمر ما يكون،  وننخرط في السيستم  تلك هي النهاية المرتقبة لن تأتي سيكون حراما أن نكسر الباب ونهرب إليها ونحن في زنزانة الألفة الجميلة …

*****

وحين يطول عليّ الليل في كهف وحدتي المبتغاة  أقول …علي اختراع لفظ خاص من داخل الألفة الجميلة يستعيض عن الحب بالفحولة  ثم بعد حين يعبر عن تحول الرجل إلى تيس عجوز له من الذكورة خصيتان كبيرتان وبقايا صنان لا يلين وحنين جارف إلى زمن الجديان الصغار… ليس في اللغة هذا الاحتمال ولو بالعودة إلى اللسان العربي فلا تيس إلا بالنبيب أما إذا كفّ الفحول عن الفحولة فالمسالخ والكلاب …سيقول التيس وقد صار حطاما «رطليهم يا خدوجة »  فقد ذهب زمان الوصل بالأندلس وببعض البلاد العربية فنحن ننسى  يا أم البنين  أن الفحولة لا تكون في زمان كوندليسا …  وسيتعزّى التيس العجوز «هل بالذكورة وحدها نبني البلاد ونقنع القوم بأنا حاضرون على الخريطة؟»  الحمد الله الذي جعل خصيّ الخصيان أخفّ وزنا .. في أكفّنا …  لكنّا رغم ذلك نفيق على أكتافنا منهدّة  وشواربنا مرخّية  ونساؤنا يبكين الرجال … أيها الوقت الذي يترك مروره على الكتفين أعفيني قليلا لعل الحبّ أن يأتي قليلا …  إني استسقي الحب ولي شجاعة من لم يركب جموح الخيل بعد … ويتوهم أن الخصاء فردي في زمان كوندليسا ليقتدر على الألفة والمصاريف …

 يا صاحبي  يا حامل الأسرار الأرضية … لا فحولة إلا بالأرطال من الخصي… والوقت لم يعد يكفينا للصراخ .. . غدا نشارك في الدوام … ليستمر السيستم . بلا فحولة  و لا حب … واجهات جميلة وملابس بمقاسات مختلفة ونساء يقفن سعيدات ورجال يحرّرن صكوك الصرف … ولا تعلّمني التصريف .

ثم تعض باطن كفك من جديد…

… تلك الشهوة المتولدة من الحب والحب الذي تسعره الشهوة وإن لم تلب ، هي ذي  موسيقى الأيام الجميلة  أو الموسيقى الجميلة التي تجعل الأيام  أجمل مما تتوقع الأيام أو مما أرادت لك … لا معنى إلا بالأنثى المحبة  لكن أين هي   … ما أكثر النساء وما أقل الحب …

كيف يمكن أن تدخل في موضوعة النساء دون أن تعري عجزك الفاضح … تدبر معي مثلا كيف يمكن لامرأة أن  تفتت فحولة رجل ولا تخصيه، وانظر معي كيف يصير التيس رجلا فلا ينزو إلا على أنثى واحدة  ولا ينب نبيبا .  قل مثلا معزيا ولا تبك …«إن الكم غير مهم وأن النّوع عوض خير»أو قل «إن الغذاء في مطاعم الجمهورية قد تكفل بالأنسنة » ، قل ما تشاء ولكنك لن تصل إلى فهم اللحظة التي تضع تيوستك في ماء فاتر فتطمئن إلى أنثى عبرت سماء أيامك المتشابهة فتظاهرت  بالبكاء على صدرها تزعم  الشوق   وقد تمر على ديارها تبكي لتوهم نفسك بالقدرة على الحب الجميل وادعاء الخيبة المبدعة .

ولا تتذكر …

 تلك التي لقيتها يوما وقد كانت ابتسامتها كمزقة في السماء  يظهر وجه الله خلفها …متجليا

 وتلك التي لما أنزلت فستانها الأحمر  في الممر الفاصل بين الغرفتين نزلت ذكورتك  انبهارا وبقي أمامك أن تهرب أو أن  تبكي عجزا… وعدت في الليل على يدك توسعها …

وتلك التي تعرت فلم تر اختلافا بين جلدها والزرابي القديمة …

 وتلك التي … كم مرت بين يديك لست  تحسب.  لست إلا واحدا من كثيرين يزعمون في النساء علما وما أنت إلا جاهل يتعلم …

وأخرى  رأيتها لا تختلف عن أحلامك  قلت عنها … كلاما جميلا على أمل البقاء بقربها لكنها انصرفت إلى الزوج الذي قد يأتي تعد له قميصا وسروا يل جديدة وتنام في الليل تنتظر الغيوم أن تحمل إليها ذكرا يجمع القش لعش  قد يدوم . وقد تتحجب كآخر محاولة للزواج …

 تلك هي أو كأنها …  أنت أبدا في حلمك السادر لن تصل أبدا حتى تنتهي النساء  … فمجّد ما تجد عسى  تصل إلى ما تريد … سنة العجزة في بلاد العجزة المحكومة بالجواري يعرفن في التنمية المستديمة ويخطبن في المجالس ويخطئن في النحو قليلا … فكاتب الخطاب ذكر يعرف النحو فيشمت في الخطيبة  فيتعمّد ألاّ  يشكل أواخر الكلمات … اصنع وهمك لتستمر  به أما الحقيقة فقاتلة … صورها  كمنتصرة عليك … لتصنع وهم الحب ففي الحب بعض من هزيمة لذيذة للدموع …

لا تنظر إليها تقرأ قليلا وتكتب أقل قل إنها  تحسّ ويظهر في عينيها الدّمع  قل معزّيا ما ضرّ لو كانت غائبة  وقلبها يرى ؟ لكنك تفهمها فتشفق … فتتعزى بها عن مثالك  مصرا على قهر الخيبة بالوهم .

  تراها… تقبل…تتراجع… تخاف، تعبر بعينيها،  يخرج كلام كثير إلى العينين تقرأه.  لها الحق أنت لها في أحسن الأحوال  بالنصف في ظاهر القول وبالنصف لنفسك فكيف تفهمها أن جمع النصفين والأرباع الأربعة لها بالنهاية مقابل أمل بالبقاء قليلا حول فنجان من القهوة المرة  في مكان مطل على البحر …لكنك تمعن في قهر قلبك بالصورة فتجعل عينيها  جميلتين دون كحل أومسخرة مفتوحتين بفكرة أولى لم تصل ككذبة طفل يتعلم النطق الفصيح جميلتان كالتمني، كالرجاء، كاللقاء الأول تحت صفصافة ناشئة، كحلمة طفلة في العاشرة تحلم في الليل بقلبها وتخاف …فتحمر  … لم تره مستديرا قاسيا وله حدود تتضح بعد خمس  … نهد بعد اللمسة  الأولى والعبارات على الفم  هل تعضه …. ليس بعد  حتى تؤوب إلى رشدها وتعري … لن تفعل … لا تنتظر… محكومة بالكلام القديم الذي  يحفظ قبل أن ينطق وتظل تدور حول الزاوية المستديرة  ترسم خطا وتعيد توضيحه…«إني أخاف  أن أسقط،وأخاف أن أصعد، وأخاف أن أظل مكاني، وأخاف أن يفهم الآخرون أنني اشتهي أن أكون،وأخاف أن لا يفهم أحد أنني اشتهي أن أكون، وأخاف أن أفهم أني انتهيت سريعا قبل أن يستقيم لي الأمر حتى أكون. هو أنا أيها الذي يعرف كيف يزن الكلام ويخرج رابحا من حسبة الرجل القديم.   فكيف أحسبها دون علمك وكيف أجعلك في الحسبة دائما دون أن … ستجد العبارات لتقول لي دائما إنها اللغة نخفي بها ما نريد … فلا تحرج ما تبقى من حمرة خدي إنني أخجل بعد أن تفهم إنني أشتهيك  … فافعل ولا تفعل وأكذب علي حتى اللحظة الفاتحة، حتى فك المغالق التي ادخرت لك قبل أن تنبت لك  شعرة واحدة … هي أنا… لو غيرتني انكسرت صورتي الباهتة،  التي نيفت بها على  الثلاثين … ونمت بها في الليالي وحيدة … أضع مخدتي فوق رأسي … وأتمنى لو أنني في خيمة واسعة لكي لا أسمع فحيح  جارتنا خلف الياجورة الباردة  يقلّبها فحلها وقد  نام الصغار». 

هي ذي …إنها في كل مكان ونحن نصادفها في الحديث ونضحك منها ومنا فهي صناعتنا نحن الذين صنفنا النساء إلى  زوجات كرام و عاهرات ، نتدرب على واحدة لنحكم الأخرى ونبكي على الحب الذي لا نجد لأن الرفيقة مسطحة الفكر، ثم نخلص مسرعين إلى الجماع المتاح

لا  تظنن ما نجد الحبّ بل سيرة عشاق مستعادة من زمن كان فيها الحب لا يعني المفاخذة والقذف .

****

المراة التي نراها كل يوم  تزعج العين و المرأة التي ننتظر لا يجب أن تأتي  حتى تظل صورة  فوق ال


المزيد